مقالة رأي

2021.03.19

السلم الأهلي: هل هو ضرورة لابد منها في سوريا؟

يعتبر السلم الأهلي، في بلد متعدد الانتماءات والأديان والطوائف والقوميات مثل سوريا، مشروع أخلاقي وإنساني بقدر ما هو مشروع سياسي يطمح له كل عاقل في سوريا المنكوبة، وهو الأساس الذي يرتكز عليه استقرار أي مجتمع، استقرار يُبنى على إحساس المواطن وتلمسه للعدل والمساواة والحقوق في دولة ونظام سياسي قائم على التعددية السياسية والديمقراطية وحكم القانون. كما أنه إقرار وقبول مسبق من كافة مكونات المجتمع على صيغة عيش مشترك تتضمن الإقرار بأن السلم الأهلي هو البديل الضروري لثقافة العنف وخطاب الكراهية والتحريض على القتل والاقتتال ونبذ ونفي الآخر.

من يراقب المشهد العربي ويدقق بالأحداث التي تجري في البلدان العربية، خاصة البلدان التي عصفت بها رياح التغيير أو المطالبة به بشكل أو بآخر مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، يشعر أن ثمة مشكلة دائمة تهدد أمن واستقرار هذه الدول، حيث أن الحرب والصراع القائم في هذه البلدان وحجم العنف المنفلت، لا يعبر بالضرورة عن السلوك البشري بقدر ما يعبر عن خلل في العقد الاجتماعي ونظام العيش المشترك ودور السلطة السياسية والمجتمع عموماً في تعميق هذا الخلل. وقد شهدت تلك الدول المذكورة، وما تزال، موجة من العنف والاقتتال كانت سبباً رئيسياً في هدم عوامل السلم الأهلي المعتاد والملغوم، ومما ضاعف عملية هدم عوامل السلم الأهلي، أن العنف والاقتتال لم يقتصر على حروب تقليدية بين الجيوش النظامية، بل تعداه إلى انخراط فئات هامة ووازنة من المجتمع في الحرب، الأمر الذي جعل إمكانية إطفاء هذا الصراع صعب جدا ويتطلّب جهوداً كبيرة، هذا عدا عن أن أحد إفرازات تلك الحروب، وخاصة في سوريا واليمن وليبيا وإلى حد ما العراق، هو توجه المسؤولين السياسيين فيها إلى صرف النظر عن كل مشاريع التنمية والبناء وحصر جلّ اهتمامهم في كسب الحرب وتفادي الهزيمة وتسخير كل موارد الدولة لخدمة الحرب والدمار، الأمر الذي أفرز تدهوراً في عملة البلاد وفي القدرة الشرائية للمواطن وتدني مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة.

السلم الأهلي المصطنع:

تعيش العديد من دول العالم حالة من التنوع الديني والقومي والطائفي، وهذا الأمر ربما يكون إحدى سمات المجتمعات الحديثة، إذ يندر وجود دولة واحدة لا توجد فيها تعددية، لكن إدارة هذه التعددية والتنوع والتعامل معها من قبل السلطة السياسية والمجتمع أوصل العديد من الدول، ومنها سوريا، إلى حالة من الصراع، ذهب ضحيته الألاف من شعوب هذه الدول. إذاً، المشكلة ليست في التنوع والتعددية، بل في إدارة هذا التنوع. فالإدارة السلمية الإيجابية هي التي تجعل التعدد والتنوع نعمة وليس نقمة. وكل ذلك يعتمد على طبيعة النظام السياسي وبنيته وتداخله مع النظام الاجتماعي بسلبياته وإيجابياته.

إذا كان هناك عنوان للإدارة السورية على المستوى السياسي والاجتماعي لهذا التنوع والتعدد، فهو الفساد وشراء الذمم وخدمة المصالح الضيقة، لفئة من الناس، تحصد المال العام والوظائف الحكومية بحسب بعدها وقربها من السلطة السياسية أو تبعاً لنفوذها الاجتماعي. إذ أن السلطة السياسية ومن خلال تداخلاتها الاجتماعية استطاعت أن تفرض على المجتمع عقداً اجتماعياً سياسياً يمكن تسميته بالعقد التسلطي، فحواه إذعان ورضوخ الأفراد بالقوة للسلطة السياسية وللنفوذ الاجتماعي، وتفرّد السلطة بالقرار السياسي والأمني والاقتصادي. كل ذلك مقابل إعطاء المواطن إحساساً باستقرار المجتمع وبأن هذا الاستقرار دائم الطبيعة.

لا يمكن لهكذا سلطة مغلقة، تتمحور حول نواة صغيرة من المتنفذين في الدولة والمجتمع، وتكون فيها دائرة اتخاذ القرار ضيقة جداً، أن تستفيد من تنوع وتعدد المجتمع. لذلك وبدلاً من إدارة هذا التنوع الاجتماعي بشكل سلمي وإيجابي يحفظ لكل مكون من مكونات المجتمع حقه وخصوصيته في العيش بشكل محترم والتعبير عن هويته الدينية أو الحزبية أو حتى المناطقية ضمن الدستور، كانت الإدارة إدارة قسرية قهرية زرعت على مدى سنوات طويلة بذور التوترات الاجتماعية، التي أسست إلى تنامي خلخلة السلم الأهلي وضعضعة الإحساس بالاستقرار الاجتماعي المصطنع أصلاً. كل ذلك قاد المجتمع المتأثر أصلاً بفكرة أحقية الأقوى نفوذاً بفرض رأيه السياسي إلى النكوص والرجوع إلى مفاهيم خاوية المعنى توهم الأفراد بديمومة السلم الاجتماعي القائمة على سلطة مراكز النفوذ.

 إن التعامل مع التعددية والتنوع، في المجتمع السوري، يوجب أولاً الاعتراف الواضح والصريح بكل مكون من مكونات المجتمع، مهما كان حجمه، وفتح قنوات بين السلطة السياسية والممثلين الحقيقيين لتلك المكونات؛ وذلك بهدف الوصول إلى صيغة مشتركة تضمن العيش المحترم للجميع. وهذا ما افتقدناه على مدى السنوات الطويلة الماضية. من خلال منظومة أجبرت المواطن السوري على البحث عن مظلة يستظل بها، بعد أن تم إقصاؤه وتهميشه وحرمانه من أي نوع من أنواع المشاركة، سواء السياسية منها أو الاقتصادية، فلم يجد سوى هويته الفرعية، لعله يحصل على الأمان والاطمئنان الذي يحتاجه.

دور الفعّاليات الاجتماعية السورية في تفعّيل شبكة السلم الأهلي:

يعد الصراع القائم في سوريا من أسوء الكوارث التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، من حيث حجم الدمار والقتل، ومن حيث التدخلات الاقليمية والدولية التي أججت الصراع، مما أدى إلى كوارث اجتماعية واقتصادية وإنسانية، وتدهور كبير في ما بقي من الروابط والشبكات الاجتماعية. وذلك نتيجة للاستقطاب الحاد وانتشار العصبيات المذهبية والدينية والقومية، تلك العصبيات التي انتعشت نتيجة فقدان الثقة بين مكونات المجتمع وبين الأفراد وعدم الشعور بالأمان بسبب مظاهر الخطف والاعتقال والاختفاء القسري وتفشي الجريمة على نحو واسع.

بعد انهيار السلم الأهلي المصطنع الذي كان عنوان سنوات ما قبل الحرب، وفي ظل هذا الوضع الكارثي للبلد، فإن الأمر يقتضي العمل بسرعة على إعادة تفعيل العلاقات والروابط والشبكات الاجتماعية وتعزيز التعاون والتضامن بين الأفراد والجماعات على مستوى سوريا كلها، وذلك من خلال:

التواصل بين شخصيات سورية فاعلة مؤثرة، اجتماعياً ودينياً، وتتمتع بسمعة أخلاقية ووطنية وبخبرة وحكمة، للحوار والمطالبة بوقف العنف باعتباره أحد أهم العوامل التي أثرت على أمان المواطنين.

البحث مع الشخصيات الفاعلة في إنشاء شبكات أمان اجتماعية وفتح باب اللقاءات والحوارات بين الفعاليات الاجتماعية بعيداً عن العصبيات التي تكرست خلال الحرب.

العمل مع جميع الأطراف السورية على إيجاد آلية لتفعيل شبكات الأمان الاجتماعية على أرض الواقع، من خلال تشكيل مجموعات اتصال ذات مهام مختلفة، مثل المساعدة في عودة المخطوفين إلى ذويهم أو القيام بمبادرات إنسانية وإغاثية عابرة للطوائف. لأن العمل المشترك في هذه الشبكات يعزز الثقة المجتمعية بين الأفراد والجماعات، ويشيع جو من الأمان المطلوب لتعزيز المصالحة والثقة، كما أن هذه الشبكات يمكن أن تساعد، على المدى الطويل، في بناء حوارات المجتمع المدني الهادفة لتعزيز شبكة الروابط الاجتماعية وتعزيز عوامل بناء سلم أهلي متين ومستدام.

شبكات الأمان هذه ليست مشروعاً سياسياً ملحقاً بحزب أو مجموعة سياسية معينة، بل هي عمل مدني يهدف إلى تعزيز ثقافة السلم الأهلي وثقافة الاختلاف والتعددية واحترام الأديان والثقافات المختلفة.

في النهاية لا بد من الإقرار بأن سوريا تعيش حالة كارثية على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية، كما أصبحت مرتعاً لكل متطرفي العالم وبؤرة لصراعات إقليمية ودولية، وأعتقد أن العالم ليس بعجلة من أمره لإيجاد تسوية سياسية ووقف الحرب في سوريا، لذلك لا يُفيد تحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية، ما يُفيد هو العمل بكل إمكاناتنا لوقف الصراع ومحاولة بناء السلم الأهلي من خلال نخب وطنية اجتماعية وسياسية، تعمل على لئم الجراح وبلورة خطاب وطني جامع.


إن الأفكار الواردة في هذا المقال تمثل فكر الكاتب ولا تعكس موقف المجلس أو الصفحة بالضرورة


بسام جوهر

ضابط ومعتقل سياسي سابق.

من نحن

سوريا ١١ هي مدونة تستمد اسمها من البنود الاحد عشر في "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" التي تطرح أفكارًا من السوريين للسوريين، وتستقبل ما يراه السوريون مناسباً لإعادة إحياء دولتهم، بكل أبنائها و أديانها وقومياتها ولغاتها في وطن واحد، تناقش معهم ويتناقشون فيما بينهم على شكل نظام الحكم الذي يريدونه وفق إراداتهم واتفاقهم .

هذا الموقع هو محاولة لفتح قناة تواصل بين أبناء الشعب السوري والسوريين القائمين على "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" و "مجلس المدونة السورية"، لتبادل الأفكار ومناقشتها، مستلهمين من التاريخ البشري القديم والحديث، ومن تجارب الشعوب التي مرّت بأزمات وانتصرت على آلامها وأعادت إحياء أوطانها بتضامن مواطنيها وعزيمتهم، عبر الحفاظ على السلم الأهلي و التماسك المجتمعي .

نأمل ونعمل على أن تكون المدونة بداية الطريق نحو سورية الوطن الجامع.

تقرير

2021.03.01

عقد اجتماعي لسوريا

احدى تلك المصطلحات، التي نسمعها كثيراً في الميدان السياسي اليوم، هو “العقد الاجتماعي”؛ ولكن احداً لم يذكر لنا ما المقصود بهذا العقد، وهل هو عقد قانوني مثله مثل أي عقد مبرم بين طرفين أو أكثر؟ هذا المقال يشرح ماهية العقد الاجتماعي ووثائق المبادئ فوق الدستورية.

 

ان مفهوم العقد الاجتماعي ليس مفهوم جديد على الإطلاق، بل يعود تاريخه للعصور الرومانية القديمة. بيد ان الرومانيين القدماء لم يجدوا له تعريفاً دقيقاً، فقد كان عرفاً سائداً فرضته ظروف الحياة والحروب في تلك الحقبة.

بدأ ظهور فكرة العقد الاجتماعي في شكلها الفلسفي في كتابات وافلاطون وسقراط. حيث دعا سقراط إلى تشكيل مجتمع سياسي، وهو ما نعرفه اليوم باسم “البرلمان”. ولكن سقراط جعل هذا المجلس، الذي يمتلك سلطة الدولة، مقتصراً على “النخبة” المجتمعية من الرجال، مستبعداً منه الطبقة العاملة والنساء. كما انه اقترح ان الدولة هي التي تحقق وجود الفرد الحقيقي.

وفيما بعد، جاء في مقدمة ابن خلدون انه يجب ان يكون هناك ما ينظم العلاقة بين الحاكم والشعب، مشيراً إلى ان قيام السلطة ضرورة طبيعية، وبما ان طبيعة الحاكم تميل إلى السيطرة والطغيان، فيجب على افراد المجتمع ان يبادروا بطلب ما ينظم هذه العلاقة.

 

ولكن بالرغم من قدم فكرة العقد الاجتماعي، إلا انها لم تقدم بالتعريف والمفهوم الذي نعرفه اليوم إلى ان تم بلورتها من قبل علماء الاجتماع في العصر الحديث، مثل توماس هوبز و جان جاك روسو. 

 

الهدف من انشاء العقد الاجتماعي هو إيجاد إطار موضوعي للتعامل بين الحاكم والمحكوم أو الشعب؛ وأيضاً لتنظيم العلاقات بين افراد الشعب نفسه.

 

ما هي الوثيقة فوق الدستورية؟

الوثائق فوق الدستورية، بشكل عام، تتضمن ما يسمى بالمبادئ فوق الدستورية؛ والتي تكون مجموعة من المبادئ اسمى من الدستور والقوانين العادية. هذه المبادئ منها ما هو دولي، كوثيقة حقوق الانسان الصادرة عن الأمم المتحدة، ومنها ما هو وطني.

المبادئ فوق القانونية الوطنية، تصاغ بحسب حاجة دولة او شعب محدد، بعيداً عن المواثيق الدولية. ونجد الاختلاف في هذه المبادئ جلياً إذا ما قارنا ما بين الوثائق فوق الدستورية الفرنسية والأمريكية والألمانية وغيرها. حيث نصت الوثيقة الفرنسية على وحدة الأراضي الفرنسية وشددت على الحفاظ على الحكم الجمهوري، وكان ذلك للحرص على عدم العودة للحكم الملكي، الذي قامت الثورة الفرنسية بالإطاحة به.

بينما في الولايات المتحدة الأمريكية، كان من أولويات وثيقة اعلان الاستقلال، التشديد على النظام الاتحادي. ولذلك نجد الدستور الأمريكي يشدد على ان أي تعديل في الدستور، يقوم به الكونغرس، لا يمكن ان يحرم أي ولاية من التصويت في مجلس الشيوخ.

هذه المبادئ المختلفة، تعرض لنا نبذة عن اختلاف حاجات كل دولة من هذه الدول، والذي أدى إلى الاختلاف في صياغة المبادئ تلك.

 

وثيقة فوق دستورية لسوريا

إن ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، وبعد سنين طويلة من الحرب الدموية والظلم، تجعل هذا البلد، ذو التنوع العرقي والديني والثقافي، في اشد الحاجة لوضع وثيقة مشابهة لما سبق. وثيقة تقوم على احترام الانسان بغض النظر عن دينه وعرقه وثقافته وانتماءه، وتضمن له الامن وحرية الايمان والاعتقاد والتعبير والانتماء.

ان الشخصيات التي وقعت على “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك"، ربما كانت تسعى لاتخاذ الخطوات الأولى باتجاه ردم الهوة التي خلقتها الحرب بين أبناء البلد الواحد. فهل من الممكن ان تمثل هذه المدونة وثيقة فوق دستورية لسوريا يجتمع حولها السوريون؟

مقالة رأي

2021.02.01

عمل مجلس المدونة بين الواقعية والرؤية المستقبلية

لعله من المهم بدايةً، التذكير بأنه بعد حوالي السنة من الإجراءات الاحترازية المرتبطة بفيروس الكورونا، وما ارتبط بها من تعذّر اللقاء بأعضاء المجلس، بشكل شخصي، وانتقال مجال العمل إلى العالم الافتراضي، فإن عمل المجلس خلال هذه الفترة اتخذ شكل النقاشات الفردية والجماعية حول مسائل معينة، وإصدار بيانات تبين رأي المجلس حول تلك القضايا المرتبطة بوضع السوريين في الداخل والخارج السوري. عليه فإن طريقة العمل هذه ببساطة قد مثلت التعبير الواقعي عن إمكانية عمل المجلس وتواصل أعضائه مع بعضهم على الرغم من الإشكاليات المرتبطة بعدم القدرة على اللقاء بشكل شخصي، وما يضاف إلى ذلك من صعوبة التواصل مع الداخل السوري عبر الشبكة العنكبوتية بشكل عام.

 

لقد فرضت طبيعة العمل بهذا الشكل الضيق، ضرورة البحث عن إطار عمل عام ومجمل، تمثل بداية بتثبيت النقاط المشتركة بين أعضاء المجلس عند التصدي لأية مسألة. وبما أن هذه المشتركات تنطلق من روح مدونة السلوك فقد كان التفكير دائماً يدور في حلقتها وينطلق من مبادئها. ومن هذا المنطلق، فقد أثبتت مبادئ المدونة صفتها الجمعية التوافقية، إذ أنها تحولت إلى قواعد يُحاجَجُ بها من قبل أعضاء المجلس في مناقشاتهم مع بعضهم أو مع الجمهور. إلا أن هذا لا يعني بأن أعضاء المجلس لديهم نظرة موحدة في طريقة وضع مبادئ المدونة موضع التطبيق العملي، مع أن جميعهم متفق على أن التطبيق العملي لمبادئ المدونة هو المخرج الوحيد من الوضع المأساوي الحالي للسوريين. من هذا المنطلق بدأ أعضاء المجلس بالتفكير والنقاش في ديناميكيات التطبيق العملي لمبادئ المدونة بما يعكسه هذا النقاش من تداخل بين واقعية العمل الحالي وإمكانياته وضرورة التفكير في الآليات المستقبلية. فالمجلس، وعلى الرغم من أنه ليس هيئة تنفيذية تملك سلطة الأمر كما هو متفق عليه بين أعضائه، يستطيع من خلال اقتراح الآليات التنفيذية للمدونة أن يثبت جديته في علاقته مع السوريين من متابعيه، ما يشكل أيضاً دعوة لهؤلاء بالمشاركة في التفكير في بنود المدونة وتنفيذها بشكل عام.

 

التفكير بالمسألة التنفيذية يقتضي بداية وببساطة، استغلال الآليات الموجودة فعليا من أجل بلورة موضوع التنفيذ وإعطائه الأولوية التي يستحقها. من هذا المنطلق تبرز أهمية اللجنة الدستورية وعملها، مع أن أعضاء مجلس المدونة ليسوا راضين عن عمل اللجنة شكلاً وموضوعاً. إلا أن أهمية عمل اللجنة بالنسبة لمدونة السلوك ومجلسها، يتمثل بالدرجة الأولى في أن اللجنة الدستورية تسعى لوضع مبادئ توافقية بين أعضائها، يقبل بها المجتمع السوري كحلول للأزمة السورية، وكأطر موضوعية لشكل الدولة السورية القادمة. هذا ما يتطابق بشكل كامل مع ما سعت وتسعى إليه مدونة السلوك بمبادئها الأحدى عشر. عليه، فقد قام منظموا جلسات المجلس وبعض من أعضائه، ممن هم أعضاء في اللجنة الدستورية أو ممن لديهم علاقات مع أعضائها، بإيصال أفكار المدونة إلى فريق الأمم المتحدة المشرف على عمل اللجنة، وإلى أعضاء اللجنة في الداخل والخارج السوري، من ممثلي النظام والمعارضة والمجتمع المدني على حد سواء.

 

مع أن أعضاء المجلس لا ينتظرون من اللجنة الدستورية وضع مبادئ المدونة بحرفيتها في وثيقة الدستور السوري القادم، إلا أنهم يعملون على الأقل أن تتطبع المبادئ والحقوق الأساسية في الدستور القادم بروح المدونة وأفكارها، ما يعني ببساطة بأنهم يسعون إلى تفعيل مبادئ المدونة من خلال تحويلها بكليتها أو جزئيتها إلى قواعد دستورية. لكن، ما يجب التنويه إليه هنا، أن المجلس يسعى وبشكل آخر إلى تفعيل مبادئ المدونة وذلك من خلال متابعة العمل على إصدار بيانات حول مسائل تمس المجتمع السوري برمته والسوريين بعمومهم في داخل وخارج سورية. فالبيانات التي قام المجلس بإصدارها، مثل بيانه بخصوص مبدأ المحاسبة بتاريخ 15/01/2020 أو بيانه بخصوص الوضع في شرق الفرات والشمال السوري بتاريخ 23/12/2019، كان من أهدافها تقوية الحس العام لمبدأ المدونة الذي يتمحور حوله البيان بشكل كلي أو جزئي، بالإضافة طبعاً إلى إظهار رأي المجلس في المسألة التي يعالجها البيان ولفت نظر الرأي العام، السوري والإقليمي والعالمي، إليها.

 

علاوة على ذلك فقد قام أعضاء المجلس بناء علاقة الثقة القائمة بينهم بالتدخل لحل بعض الأوضاع المحلية المستعصية من خلال استثمار علاقاتهم مع كل الأطراف على الأرض بهدف دمج جميع الآراء في حلول توافقية تتناول التهدئة في بعض المناطق والوساطة في بعض الخلافات. تحرك أعضاء المجلس هذا يمثل انعكاساً واقعياً لروح المدونة ومبادئها بما تهدف إليه من إعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي السوري. من هنا يتبين التنوع في محاولات أعضاء المجلس وضع مبادئ المدونة وأفكارها موضع التطبيق العملي والتي تمتد من العمل على مصالحات مناطقية إلى إصدار بيانات تتناول قضايا حساسة في حياة السوريين ثم محاولة التأثير على اللجنة الدستورية لتضمين مبادئ المدونة في وثيقة الدستور القادمة.

 

من جانب آخر فإن واقعية عمل مجلس المدونة في مجال البحث عن آليات التنفيذ، كما تم التعويل عليها أعلاه، يقابلها متابعة حثيثة للعمل الحواري بين أعضاء المجلس والعمل على تعريف السوريين أكثر بالمدونة من خلال عقد ورشات عمل مصغرة على المستوى المحلي. إضافة إلى ذلك تستمر عملية الحوار مع المجتمع الدولي التي يديرها منظموا جلسات المجلس من أجل تعريفه أكثر بالمدونة وعمل مجلسها. على أن النشاط المهم الذي عمل عليه الأعضاء ولا زالوا يعملون عليه يتمثل بالعمل على إصدار كتيب لشرح مبادئ المدونة وتوضيحها للمتابعين. بالنتيجة، تهدف كل هذه الأعمال بشكل أو بآخر إلى توسيع دائرة الأشخاص الداعمين للمدونة والمقتنعين بمبادئها، أي إلى خلق كتلة من السوريين في الداخل والخارج تقف خلف مدونة السلوك لعيش سوري مشترك.

 

إذن، ما يمكن قوله في هذه المرحلة من عمل المجلس، أن: كل أعمال المجلس هي أعمال تحضيرية، بانتظار إمكانية مستقبلية حقيقية لتفعيل مبادئ المدونة على الأرض كأداة لإيجاد حل متوازن للوضع السوري. فرؤية المجلس المستقبلية واضحة، وتنطلق من إيمان أعضائه المطلق بمبادئ المدونة وضرورة تطبيقها من خلال سيناريوهات معينة، مرتبطة بظروف التوافقات المستقبلية على حل الأزمة السورية، بغض النظر عن الخوض في تفاصيل هذه التوافقات، والتي ستلعب فيها المعادلات الدولية الدور الأهم. فأعضاء مجلس المدونة سيستمروا في العمل بصمت أو في العلن، إذ أنهم مقتنعون بأن لقاءهم على اختلاف تفكيرهم ومواقفهم من الأزمة السورية هو إشارة بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يحل إلا على طاولة حوار يجلس إليها مختلفو، أو متناقضو الرأي، بهدف إيجاد حل وسط مقبول من الجميع. كما أن لقاءهم هو رسالة لكل من هو مستمر في قناعته بأحادية الحل، من أي طرف كان، بأن زمن الحلول الفردية قد ولى وأن الوقت قد حان لحلول جمعية تراعي رغبات كل الأطراف ولكنها تضع مصلحة سوريا قبل كل شيء.

مساهمات أعضاء المجلس

2021.02.01

نلسون مانديلا السوري..