fbpx

مدونة السلوك لعيش سوري مشترك ومجلسها

مدونة السلوك لعيش سوري مشترك ومجلسها
بقلم: د.ناصيف نعيم

من مبادئ توافقية وعمل مؤسساتي إلى حركة اجتماعية عابرة للانتماءات السياسية

مقدمة

منذ الظهور الإعلامي الأول لمدونة السلوك لعيش سوري مشترك في بداية عام 2018، ومروراً بتشكيل مجلس المدونة من السيدات والسادة الموقعين على المدونة والمقتنعين بمبادئها، اقتصر العمل الإعلامي لأعضاء المجلس ومتحدثيه ومدير جلساته على التعريف المقتضب والشرح المبسط للمجلس ولمبادئ المدونة النابعين من عمومية تلك المبادئ. كما عمل الجميع جاهدين على الرد على الاستفسارات والانتقادات التي وجهت للمدونة ولعمل المجلس والنابعة من قراءات معينة لعناوين صحفية خصوصاً تلك التي وصفت المدونة وعمل المجلس بالصفة الطائفية.

وبناءً على ذلك، وبعد أن صارت المدونة معروفة في جميع الأوساط، فقد حان الوقت لشرح تفنيدي لبعض الحيثيات المرتبطة بفكرة المدونة ونشوئها، وما بني عليها من عمل مؤسساتي، وما هي الأهداف البعيدة لهذا العمل. لذلك فإن هذه المقالة لن تتناول مبادئ المدونة بتفصيلها، كما لن تحاول الرد على كل ما قيل حولها. هدف هذه الأسطر هو باختصار: التعريف والإعلام، أما التحليل والمحاكمة فمتروكان لرأي القارئ الكريم. مع التنويه بأن شروحاً تفصيلية للمدونة وردوداً على كل ما كتب حولها بالتفصيل هي مسائل قيد الإعداد، وجزء منها قد تم إعداده فعلاً.

أولا: نقطة البدء في العمل على مدونة السلوك

بدايةً، يجب التنويه على أن العمل على هذه الوثيقة بدأ منذ حوالي أربع سنوات. المنطلق الرئيسي لهذا العمل كان الوضع الذي وصلت إليه سورية والحرب الطاحنة التي طالت ويلاتها كل السوريين، ليس فقط من الأطراف المتحاربة، بل كل من له انتماء للمجتمع السوري سواء داخل أو خارج سورية. الفكرة الرئيسية التي جمعت الشخصيات السورية على طاولة الحوار هي حقيقة أن غالبية الشعب السوري قد تضررت من الحرب رغم أن تلك الغالبية لم تشترك في العمليات العسكرية بأي شكل من الأشكال. حتى من دخلوا الحرب من السوريين خاسرون بغض النظر عن النتيجة، لأنه لا يمكن عزلهم عن بلدهم ومجتمعهم الذي عانى ويعاني من هذه الحرب. من هنا يجب التأكيد على أن وجهة النظر هذه، الجميع خاسر في الحرب السورية، لم تتغير حتى عندما تغيرت موازين القوى العسكرية على الأرض.

بالإضافة إلى قناعة جميع الجالسين على طاولة الحوار أن جميع السوريين خاسرين في هذه الحرب، فقد لاحظوا ارتفاع مستوى خطاب الكراهية المبني على أسس طائفية ودينية ومناطقية وعرقية، وهذا ما دفع المتحاورين إلى وضع تنوعية المجتمع السوري على طاولة البحث والحديث عنها بصراحة وشفافية طالت الحوادث التاريخية والمعاصرة. ولتفادي تحوّل الكراهية بأنواعها إلى فكرة انتقام جماعي، فقد تبنى المجتمعون فكرة شخصية المسؤولية المرتبطة بأي فعل وضرورة الابتعاد عن المحاسبة الجماعية مهما كان وزر العمل ثقيلاً. ولعله من المهم التنويه هنا بأن الشفافية والوضوح اللتين رافقتا النقاشات أديتا بالمجتمعين إلى الاقتناع بأن السوريين يجب أن يجلسوا مع بعضهم ويتحدثوا بوضوح عن تاريخهم سعياً وراء معرفة الحقيقة ووضعها موضع النقاش العقلاني مهما كانت تلك الحقيقة مؤلمة.

هنا يجب القول أن هذه النقاط الثلاث اللاتي تشكلن صلب مدونة السلوك – والمتمثلة بأن الشعب السوري هو الخاسر الوحيد وضرورة المكاشفة بين أطياف المجتمع السوري وصولاً إلى التأكيد على الشخصية في إطار المسؤولية – قد وضعت موضع النقاش في لقاءات عدة قبل الحديث عن ضرورة وضع هذه النقاط كمبادئ في وثيقة. إذن، فمدونة السلوك نتجت عن حوار طويل ولم تكن هدفاً موضوعاً في بداية الحوار. ولكن يمكن القول بأن فكرة الحوار ذاتها، بنيت بشكل أو بآخر على هذه النقاط الثلاث؛ وتبنت منذ البداية، وبخلاف كافة مبادرات الحوار حتى ذلك الوقت، فكرة ضرورة أن يجلس السوريون من الداخل ومن الخارج على طاولة الحوار. إذ أن الحوار بدون مشاركة فعالة للداخل السوري بتنوعه وتنوع مواقفه هو حوار لا جدوى منه.

هذا باختصار هو الأساس الذي دفع إدارة الجلسات إلى توجيه الدعوة للشخصيات المختلفة من سوريي الداخل والخارج. مع العلم بأن كل الإشكاليات التي تدور حول مفهوم التمثيل ومعايير انتقاء الشخصيات ومحدودية العدد بسبب محدودية الإمكانيات المالية واللوجستية والقضايا الأمنية بشكل عام، هي مسائل معروفة للمنظمين بكامل أبعادها، ونوقشت بشكل موسع في بداية العمل. لكن ما ساعد على حسم هذه الأمور، على الرغم من المعرفة الكاملة بنسبية وإشكالية أي قرار في هذا الإطار، هي القناعة أنه لا حل للأزمة السورية إلا بالحوار القائم على أساس وضع كل جوانب هذه الأزمة على طاولة البحث بين القوى المجتمعية السورية المختلفة، بما تمثله من أبعاد تجاذبية وتنافرية في هياكل السلطة السورية ومعارضيها على حدٍ سواء. إذ أن العمق المجتمعي للشخصية السورية، على الأقل في الوقت الراهن، أقوى بكثير من عمقها المؤسساتي.

ثانياً: صدور مدونة السلوك ونشوء مجلسها

الجلوس على الطاولة والحديث حول النقاط الثلاث، خسارة كل السوريين في الحرب وضرورة التعامل بشفافية مع الأزمة وشخصية المسؤولية، ولّدا عند الشخصيات المتحاورة فكرة المعالجة الكاملة للوضع المجتمعي السوري الناشئ بعد 2011 بوثيقة تتعامل مع أهم الإشكاليات الناشئة، من خلال مبادئ جامعة حيادية، تمثل نداء لأطراف النزاع من جهة ولكل سوري من جهة أخرى. هذه المعادلة أدت بالمجتمعين إلى الربط بين مبادئ المدونة والسلوك الجمعي من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد اعتبرت الشخصيات المتحاورة أن وضع هذه المبادئ موضع التنفيذ هو الضمانة الحقيقة لاستعادة المجتمع السوري لترابطه وقدرته على الحياة المشتركة رغم خلافات الرأي والاتجاه، أي قدرة المجتمع على العيش المشترك من خلال الإدارة المثلى لخلافاته واختلافاته. لذلك أتت تسمية مدونة السلوك لعيش سوري مشترك كأمثل تعبير عن هذه الأفكار، مع العلم بأن لهذا العنوان أيضاً نسبيته وإشكاليته.

بعد توقيع مدونة السلوك من قبل المتحاورين وصدورها في وسائل الإعلام، لمست إدارة الجلسات رغبة حية لدى الشخصيات المتحاورة بمتابعة العمل. إن حوار هذه الشخصيات على مدى أكثر من سنتين واقتناعها بمبادئ المدونة خلقا شعوراً بالقدرة على العمل المؤسساتي القائم على الانتماء لمبادئ المدونة الأحد عشر. من هنا أتت فكرة تأسيس مجلس المدونة السورية مكوناً من الأشخاص الذين تفاوضوا ووصلوا إلى إنجاز المدونة ومن شخصيات أخرى انضموا إليها لاحقا وتبنوا مبادئها. فالمجلس إذن هو هيئة مفتوحة قائمة على قناعة كل المشاركين فيه بمبادئ مدونة السلوك، ويسعى بشكل رئيسي إلى التعريف بهذه المبادئ وتوضيحها والعمل على أساسها. هنا يجب التنويه أيضا إلى أن محدودية الإمكانيات اللوجستية والمادية تتسبب في بطء عملية توسيع دائرة أعضاء المجلس.

يحاول المجلس أيضاً التتطرق لكل ما يجري على الأرض السورية من خلال إصدار بينات تتناول مسائل معينة مستجدة. هنا يجدر القول بأن لغة المجلس في بياناته قد لا تتوافق مع رغبات كل الأطراف، لكنها في النهاية تمثل الموقف الوسطي بين أعضاء المجلس بانتماءاتهم المختلفة، إذ أن قوة المجلس وشخصياته والمدونة التي أسست له تتمثل بالدرجة الأولى بالقدرة على استيعاب الآراء والمواقف المختلفة وصبها في نقاشات وقرارات وبيانات تقف على المسافة ذاتها من الجميع، إذ أن السعي إلى ما هو ممكن من خلال واقعية الخطاب والطموح من أهم مبادئ العمل في هذا المجلس.

ثالثاً: المدونة والمجلس إلى أين؟

على الرغم من أن توقيع مدونة السلوك السورية وصدورها في الإعلام كان يمكن أن يكون نهاية عمل الشخصيات المتحاورة كونها ساهمت بإصدار وثيقة للتاريخ، فإنهم بمتابعة العمل من خلال المجلس فقد أعطوا للوثيقة صفة الاستمرارية الحركية من خلال بعد مؤسساتي. من هذا المنطلق يمكن توصيف المدونة والمجلس بأنهما حالة قائمة بذاتها تسعى إلى بناء واقع مستقى من تطبيق المبادئ الأحد عشر، أو على الأقل التمهيد لبناء هذا الواقع. حالة الحركية الاجتماعية هذه تحمل في ثناياها بذور المستقبل المرجو من هذه الحالة والمتمثل بنشوء تيار اجتماعي عابر للانتماءات السياسية. إذ أن المدونة ومن خلال ارتكازها على حيادية مبادئها ومجلسها الذي جمع الاتجاهات المختلفة سيسعيان لاستقطاب الجميع.

الاستقطاب لن يكون بجلوس الجميع على طاولة المجلس، فهذا لا يمكن لأسباب لوجستية، وإنما سيكون من خلال تبني أفكار المدونة وآراء مجلسها، والقبول بالآخر السياسي وبقدرة الانتماءات السياسية المختلفة على خلق تيار جامع سيكون الأساس في أية عملية سياسية قادمة. بهذا الشكل تكون الصيغة قد اكتملت: من مدونة السلوك لعيش سوري مشترك إلى مؤسسة مجلس المدونة ثم إلى التيار الاجتماعي السياسي الجامع.

خاتمة

لعل مصطلح الطوباوية هو أول ما يتبادر إلى الذهن عندما يسمع المرء بفكرة تشكيل تيار مجتمعي سوري مشترك عابر للانتماءات السياسية. والمرء بطريقة تفكيره هذه لا يلام بعد أن دارت كل الأفكار والمقترحات الخاصة بحل الأزمة السورية في حلقة مفرغة خلال الأعوام التسعة الماضية. إلا أن تجربة المدونة أظهرت إمكانية التوافق على مبادئ معينة بين سوريين مختلفي الاتجاهات ومختلفي النظرة إلى ما حدث ويحدث في سورية. وللأمانة يجب القول هنا بأن هؤلاء أنفسهم لم يكونوا على قناعة في بداية حوارهم أنه يمكن لهم أن يصلوا إلى أي توافق حول أية مسألة. أحد أهم القناعات التي أدت إلى التوافق على المدونة هي فكرة المرحلية النابعة من الحاجة إلى الاتفاق على مسألة معينة في لحظة معينة. لعل فكرة المرحلية هذه يمكن أن تساهم في خلق القناعة بأن الانتماءات على عمقها وتداخلها مع الشخصية السورية هي مسألة يجب تجاوزها على الأقل في الوقت الراهن لصالح تحالف جامع للمتضادات من حيث الانتماء، الرأي والقناعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *