مقالة رأي

2021.05.07

النخب السورية وبوصلة النجاة

بداية، أود التنويه هنا، بأنني لا أتحدث في هذا المقام عن النخب الوظيفية التي تعيّنها السلطة لاعتبارات لامجال لذكرها، وإنما أتحدث عن نقاط القوة الحقيقية في المجتمعات، وعن أصحاب الضمير الوطني الذين يعبرون عن اتجاهات الرأي العام الحقيقية في المجتمع. ففي الحالة السورية، وعلى الرغم من التشوهات البنيوية التي أصابت المجتمع السوري نتيجة معادلات سلطوية على مدى عقود أدت إلى إزاحة العديد من النخب السورية عن الواجهة السياسية والاجتماعية لاعتبارات سياسية في المقام الاول، إلا أن النخب السورية مازالت تحمل بوصلة النجاة لهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا. إذ أنها هي القادرة على رسم خارطة الخلاص الوطني وترميم التصدعات الخطيرة التي ظهرت في بنيان المجتمع السوري.

 

هنا، يجب التنويه بأن هذه النخب قد تعرضت إلى التهميش والاستبعاد لحساب النخب الوظيفية، التي تم فرضها من قبل السلطة الحاكمة في جميع العهود. هذا الفرض للنخب الوظيفية اعتمد على تفاضل سياسي قائم على الولاء كمعيارا للقرب من السلطة أوللبعد عنها، دون اعتبار للكفاءة والنزاهة والقدرة على التأثير. مما أدى في النهاية إلى إبعاد النخب الحقيقية عن ممارسة دورها. وللمفارقة، وفي اعتراف ضمني بداية من السلطة ثم من المعارضة، فقد لجأ الطرفان بعد اندلاع النزاع وتفاقمه واتساعه ليشمل مساحات واسعة من البلاد، إلى نخب مهمشة بشكل كبير طلباً للتدخل ومحاولة الوساطة والتهدئة. والسبب في ذلك يتمثل في عجز النخب الوظيفية عن التأثير في المجتمع لأسباب عديدة، يبدو بعضها وبشكل افتراضي وكأنه انتقامي من أطراف النزاع. إذ أن تلك النخب الوظيفية تتألف من سوريين أقل خبرة وتأثيراً من أولائك الذين ينتمون إلى النخب المجتمعية الحقيقية. وسوريوا النخب الوظيفية هم من تصدر المشهد في الحرب، وهؤلاء لايقلوا غُلوَّاً عن أطراف النزاع، وإن عزَّ التشبيه.

 

عموماً، فقد صادرت الحرب خيارات السوريين كأفراد، و بلا استثناء لأي سوري. إذ أصبح الجميع بشكل ما وقودا للحرب والفوضى والدمار. خلال ذلك، وأتحدث هنا من زاويتي الشخصية، تأكد للسوريين بما لايدع مجالاً للشك، هشاشة الشعارات التي كانت مرفوعة، والتي كانت موضع التنظير في الندوات والصحف، ومن أهمها مبدأ المواطنة، الذي هو أرقى منتج حضاري توصلت إليه البشرية، حيث لم يصمد الانتماء الوطني عند جميع الأطراف على أرض الواقع. فالحرب جعلت السوريين يرتدّون الى انتماءاتهم البدائية، أي ما دون الوطنية، بعد أن فشل انتماؤهم لوطن واحد في ضمان حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حق الحياة، تجاه أطراف النزاع، فارتد المجتمع السوري حضاريا الى الحقبة الأولى لتأسيس الدولة السورية، أي حقبة ما بعد الحكم العثماني قبل مئة عام تقريبا.

 

ففي هذه الحقبة كانت النخب السياسية والمجتمعية السورية عاجزة عن تحديد الهوية السورية بعد انهيار الدولة العثمانية. إذ تراوحت الهوية السورية بين القومية العربية والانتماء الإسلامي واعتناق الاشتراكية أو الشيوعية. واستمر هذا حتى استلام البعث للسلطة عام 1963، حيث تم حسم الموقف بالقرار الحزبي الفردي بأن سوريا هي مجرد دولة مؤقتة لها صفة القطرية تنتظر قيام دولة الوحدة العربية. والملاحظ بأن سوريا شهدت ابتداءاً من أول دستور وضعته الجمعية التأسيسية في الثالث من تموز/يوليو 1920 وحتى دستور عام 2012 تسعة دساتير. هذا ما يمكن تفسيره بأن العقد الاجتماعي والسياسي السوري هش جداً، وخاصة بعد أن تدرج العسكر من القوة الرئيسية في الحياة السياسية السورية، إلى الحاكم الأوحد للبلاد، إذ استولت السلطة العسكرية عملياً على الدولة والسياسة والمجتمع. إذاً، فالقصة ليست قصة عشرة أعوام من الحرب من عمر سوريا التي نعرف، بل هي مسألة التدمير الممنهج، إن صح التعبير، لبلد كان الأكثر حيوية في الشرق الاوسط بفضل ما يمتلكه من ثروات متنوعة، على رأسها الإنسان.

وكغيره من المجتمعات يزخر المجتمع السوري بهويات جزئية قائمة على اعتبارات قبلية، إثنية أو دينية مذهبية. كما أن التنوع يمتد إلى الهويات الحزبية والإيديولوجية الأخرى البعيدة عن التطرف، والتي تثري الهوية الوطنية السورية. فهذا التنوع هو الضمانة الحقيقية للمجتمع السوري، على عكس ما تم تصويره في خضم الاصطفاف المحموم على ضفتي المحرقة. ولعل الإصرار المريب من قبل أطراف النزاع على تفكيك البنية المجتمعية السورية من خلال الخلط المتعمد بين الوطن والسلطة، وفرز مكونات المجتمع إلى موالاة ومعارضة كخيار وحيد وحتمي على حساب الهوية الوطنية، وعلى حساب التطور التاريخي لأية أمّة، يَسْقُط من خلاله بالضرورة أي انتماء دون الانتماء للوطن. على أن الفرز على أساس المعارضة والموالاة أفرز الكثير من الخلافات التي يصعب تجاوزها، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. وهذا ما قاد البلاد إلى مانحن فيه، ليبدو مجتمعنا السوري منهاراً اجتماعياً، وذلك في سياق موازٍ للمشهد العام المأساوي.

 

اليوم، وبعد هذا النزيف العبثي خلال سنوات الحرب وما نتج عنه من أزمات وكوارث لاتقل خطورة عن الحرب ذاتها، من فقدان جيل أو أكثر من فئة الشباب ودمار للبنية التحتية واللجوء والشتات والمفقودين والمعتقلين ومعوقي الحرب والمخطوفين ومجهولي المصير والأيتام والأرامل والثكالى والانهيار الاقتصادي والفقر والجوع، بات جميع السوريين على اختلاف مواقفهم يتساءلون في مواجهة هذه الكارثة الإنسانية عن السبيل إلى إنهاء هذا الوضع بأي ثمن. وما زاد من حيرتهم ويأسهم استمرار الصراع العسكري من جهة، وعدم قدرة أطراف النزاع الوصول إلى أي بادرة حل سياسي. إذ أن التجاذبات السياسية زادت حدتها في ظل وجود قوى عسكرية أجنبية تخشى الانزلاق في صراع طويل الأمد يرهقها عسكريا واقتصاديا، عدا عن التخوف من الصدام العسكري المباشر فيما بينها. وهذا قد يدفع تلك القوى للتفكير في فرض أي حل يضمن، إضافة إلى مصالحها في سوريا، حالة من حالات الاستقرار، دون الاهتمام تحت أي عنوان سيكون هذا الحل. تلك الحالة هي التي أدت تماماً بأطراف النزاع إلى رفع درجة التوتر السياسي، بهدف الوصول إلى أضخم المكاسب من القوى العسكرية المتحالفة معها على الإقليم السوري.

 

في ظل هذا الواقع المعقد يبدو أنه لا معدى عن طرح السؤال حول الحل في سوريا: أين يبدأ؟ فالعكسريون من كل الأطراف يقترحون إنشاء مجلس عسكري مشترك، والسياسيون يقترحون إنشاء جسم سياسي جديد، والقانونيون يتحدثون عن العدالة والمحاسبة، و‏الناشطون الحقوقيون يتحدثون عن الحوار وحقوق الإنسان والديمقراطية. ونحن في مجلس المدونة السورية اجتهدنا لجمع كل هذه الرؤى في مدونة السلوك لعيش سوري مشترك، والتي احتوت على أحدى عشر بنداً، كانت ثمرة حوارات ونقاشات على مدى عامين، اشترك فيها نخب وطنية سورية من داخل سوريا وخارجها. هذه النخب عبرت عن رغبة صادقة في الحفاظ على وحدة الاراضي السورية، والمحاسبة، وجبر الضرر، ومتابعة الملف الانساني، ومبدأ المساواة وعدم تهميش أي مكون سوري. في النهاية، وبغض النظر عن كوني عضواً في هذا المجلس، فإن هذه الرؤى تبدو وكأنها وصفة أشبه بالترياق القادر على إنعاش الجسد السوري من الموت السريري، وإعادته للحياة كما نأمل.

من نحن

سوريا ١١ هي مدونة تستمد اسمها من البنود الاحد عشر في "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" التي تطرح أفكارًا من السوريين للسوريين، وتستقبل ما يراه السوريون مناسباً لإعادة إحياء دولتهم، بكل أبنائها و أديانها وقومياتها ولغاتها في وطن واحد، تناقش معهم ويتناقشون فيما بينهم على شكل نظام الحكم الذي يريدونه وفق إراداتهم واتفاقهم .

هذا الموقع هو محاولة لفتح قناة تواصل بين أبناء الشعب السوري والسوريين القائمين على "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" و "مجلس المدونة السورية"، لتبادل الأفكار ومناقشتها، مستلهمين من التاريخ البشري القديم والحديث، ومن تجارب الشعوب التي مرّت بأزمات وانتصرت على آلامها وأعادت إحياء أوطانها بتضامن مواطنيها وعزيمتهم، عبر الحفاظ على السلم الأهلي و التماسك المجتمعي .

نأمل ونعمل على أن تكون المدونة بداية الطريق نحو سورية الوطن الجامع.

مقالة رأي

2021.03.08

مدونة السلوك لعيش سوري مشترك أفاق وتحديات

بجمالية اسمها ودلالاته وملامسته لمشاعر السوريين، تختصر المدونة عملاً كبيراً وجهوداً بذلت لعدة أعوام، تمثلت بعشرات لقاءات الحوار، في عدة مدن أوربية، بين شخصيات اعتبارية مجتمعية سورية، ومن كل ألوان الطيف السوري، تجمعهم قواسم مشتركة، أهمها عدم انخراطهم بالصراع وتحررهم من ثنائية "النظام والمعارضة" وتحسسهم المخاطر الجدية التي يشكلها استمرار الصراع في وعلى سوريا.

التقوا تناقشوا اختلفوا تحاوروا، دون تدخل أو ضغوط، حيث اقتصر دور البلدان المضيفة على تأمين البيئة الآمنة والمحايدة للحوار وهذا يسجل لها وتشكر عليه.

وفي النهاية اتفقوا وأصدروا الوثيقة، تحت عنوان: "مدونة السلوك لعيش سوري مشترك"

وثيقة من مقدمة مختصرة بأحد عشر بنداً، صيغت بلغةٍ قانونيةٍ احترافيةٍ واضحةٍ، تمثلُ فعلاً ما يمكن اعتباره قواسم مشتركة لأكثرية السوريين وتؤسس لمناخ تصالحي حقيقي.

فالمقدمة المختصرة والغنية جداً، تؤكدُ أن المدونةَ هي وثيقة تلاقي ينطلق منها السوريون إلى صياغة مشروعهم الوطني الجديد متحررين من معضلات الماضي والحاضر التي تكبلهم.

أما البنود الأحد عشر فيمكن القول إنها استطاعت، ولحدٍّ كبير أن تقول: هذا ما يجمع عليه السوريون ويشكل حالة توافقية متوازنه ومقبولة، ومن الصعب على أحد أن يرفضها بشكل صريح، إلا إذا كان ينتمي إلى جهات أو أفكار إقصائية متطرفة. ولا أعتقد أن المدونة بالأساس موجهة إلى هؤلاء، فمن التأكيد على وحدة الأراضي السورية، وهو مبدأ أكدت عليه كل اللقاءات والاجتماعات التي عقدت بعد صدور المدونة، إلى ترسيخ مبدأ لا غالب ولا مغلوب ومبدأ المحاسبة لا الثأر وجبر الضرر وتحميل أطراف الصراع مسؤولية مشتركة عمّا حدث، وإن كان بنسب متفاوتة، ومتابعة الملف الإنساني؛ كلها تساعد على اشاعة مناخ تصالحي وعلى ترسيخ ثقافة السلام وتعزيز قيم المواطنة. كما أن بقية البنود متل الإقرار بالهوية التنوعية للمجتمع السوري وجماعية التراث وعدم تسييس الانتماء، كلها بنود تؤكد حقيقة الوحدة السورية وضمانها من خلال التنوع الذي يغنيها.

لكن السبق الأهم بنظري، أو الاستشراف الملفت فعلا، هو المراهنة على حتميّة كسر الثنائية المدمرة التي حكمت سوريا طوال السنوات العشر الأخيرة، ثنائية السلطة والمعارضة. إذ راهنت المدونة عبر القائمين عليها، بأنها إذا أخذت حقها بالانتشار والحضور، ستساهم في بلورة تيار شعبي وطني متحرر من تلك الثنائية يضم أغلبية السوريين الغائبة، او المغيبة قسراً، تستطيع أن تفرض إيقاعها الخاص على مسار الأحداث وتفرض الحل الذي ينسجم مع مصالح الشعب السوري.

 

لقد حققت المدونة والحوارات المطولة التي أوصلت إليها وأنتجتها، أسبقيات وخطوات متقدمة في المشهد السوري. فهي أول حوار مجتمعي سوري صرف ليس للدول مشاركة أو دور مقرر فيه. وهو حوار ضم شخصيات من كل المكونات السورية من داخل سوريا وخارجها. والرسالة المهمة الأخرى التى وجهتها المدونة إلى الأطراف كافة وإلى المجتمع الدولي هي، أن السوريين وإن عاشوا في ظل غياب شبه كامل لثقافة الحوار، إلا أنهم قادرين أن يتحاوروا وأن ينجحوا في الوصول إلى أهداف ومبادئ توحدهم، في حال توفر لهم المناخ المناسب والظروف الموضوعية المناسبة. بذلك تكون قد أجهضت كل محاولات اليأس والأحباط التي روجتها أطراف داخلية وخارجية بأن من المستحيل حصول إتفاق بين السوريين أو نجاح حوار بينهم.

 

لأنها تهدف في جوهر عملها ودورها إلى إنهاء الصراع على الأرض بوجهه العنفي المسلح ونقله إلى حالة حضارية من صراع الأفكار والرؤى، وبالتالي شكلت النقيض لهم واعتبروها خطراً وجوديّاً عليهم. ولا شك أن المدونة ومنذ الإعلان عنها قد تعرضت لتحديات واشكالات متعددة، وكان التحدي الأول هو الهجمات الفورية التي تعرضت لها من أطراف الصراع، وهذا بتقديري، طبيعي ومتوقع، وقد لعبت بعض وسائل الإعلام دوراً بهذه الهجمات عندما وضعت المدونة تحت عناوين طائفية هي أبعد ماتكون عنها.

 

أما التحدي الأخر فكان سؤال كبير وهام وجدت المدونة والمشاركين فيها أنفسهم أمامه وهو: ماذا بعد؟ هل نعتبر أننا أنجزنا مهمتنا وقدمنا للسوريين وثيقة ومبادئ يمكن أن تشكل أساس أو ركيزة يمكن البناء عليها؟ أو أننا نعتبر صدور المدونة أساس لنا نرتكز عليه للانطلاق إلى خطوة تالية؟ فلا شك أن الصدى الطيب الذي تركته المدونة والتفاعل والاهتمام الواسع الذي لاقته في الأوساط المحلية والأجنبية، والشعور بضرورة استكمال المشروع والإنتقال به إلى خطوة متقدمة أخرى، وعدم تركه يتحول إلى فرصة ضائعة، قد حسم الخيار ودفع المدونة والقائمين فيها للانتقال إلى مرحلة مأسسة العمل. وهذا ما تُرجِم بمجلس المدونة الذي باشر عمله في ظروف صعبة ومعقدة فرضتها الإجراءات المرافقة لجائحة كورونا.

لكن التحدي الأبرز الذي تواجهه المدونة هو عدم تحقيق أي تقدم يذكر في العملية السياسية، فصحيح أن المدونة بما تركته وتتركه من تأثيرات إيجابية على المجتمع السوري، قد تساعد على إنضاج ظروف الحل السياسي، لكن دورها الحقيقي سيتجلى خلال تطبيق الحل وبعده. بالمساهمة (في الوصول إلى ناظم اجتماعي وسياسي للدولة السورية القادمة وتأصيلاً لعقد اجتماعي سوري جديد مبني على المواطنة) كما ورد في مقدمتها.

لكن ورغم ذلك، عقد عدد من الإجتماعات وأصدر عدد من البيانات التي واكبت أحداث وتحولات مهمة في سوريا والمنطقة، وعُمِلَ على نشر المدونة على نطاق واسع.

لا شك أن المدونة فرضت حضورها بشكل جيد، من خلال تواصل جهود مجلسها للتعريف بمبادئها وتفعيلها على الأرض، وهناك اهتمام متزايد فيها في مختلف الأوساط، نتيجة للجهود الكبيرة في التواصل مع المجتمع الدولي التي يقوم بها منظّمو جلسات الحوار، ويعتبر نجاحهم -هم وعدد من المشاركين بالمدونة، بإيصال أفكار المدونة إلى فريق الامم المتحدة المشرف على عمل اللجنة الدستورية وإلى مختلف الوفود المشاركة- إنجازا هاما في طريق ترجمة عمل المدونة بخطوات عملية لتفعيل دورها.

إن المدونة ومبادئها أصبحت حقيقة لا يمكن تجاوزها في المسارات القادمة للحل ولبناء سوريا الجديدة، ولا بد من توجيه التحية والشكر لكل المشاركين فيها، وخاصة لعرابيها الذين تحمّلوا، ولا زالوا، العبء الاكبر في كل ما حققته.


أ. سلمان شبيب. رئيس الهيئة التأسيسية لحزب سوريا أولاً

تقرير

2021.03.01

عقد اجتماعي لسوريا

احدى تلك المصطلحات، التي نسمعها كثيراً في الميدان السياسي اليوم، هو “العقد الاجتماعي”؛ ولكن احداً لم يذكر لنا ما المقصود بهذا العقد، وهل هو عقد قانوني مثله مثل أي عقد مبرم بين طرفين أو أكثر؟ هذا المقال يشرح ماهية العقد الاجتماعي ووثائق المبادئ فوق الدستورية.

 

ان مفهوم العقد الاجتماعي ليس مفهوم جديد على الإطلاق، بل يعود تاريخه للعصور الرومانية القديمة. بيد ان الرومانيين القدماء لم يجدوا له تعريفاً دقيقاً، فقد كان عرفاً سائداً فرضته ظروف الحياة والحروب في تلك الحقبة.

بدأ ظهور فكرة العقد الاجتماعي في شكلها الفلسفي في كتابات وافلاطون وسقراط. حيث دعا سقراط إلى تشكيل مجتمع سياسي، وهو ما نعرفه اليوم باسم “البرلمان”. ولكن سقراط جعل هذا المجلس، الذي يمتلك سلطة الدولة، مقتصراً على “النخبة” المجتمعية من الرجال، مستبعداً منه الطبقة العاملة والنساء. كما انه اقترح ان الدولة هي التي تحقق وجود الفرد الحقيقي.

وفيما بعد، جاء في مقدمة ابن خلدون انه يجب ان يكون هناك ما ينظم العلاقة بين الحاكم والشعب، مشيراً إلى ان قيام السلطة ضرورة طبيعية، وبما ان طبيعة الحاكم تميل إلى السيطرة والطغيان، فيجب على افراد المجتمع ان يبادروا بطلب ما ينظم هذه العلاقة.

 

ولكن بالرغم من قدم فكرة العقد الاجتماعي، إلا انها لم تقدم بالتعريف والمفهوم الذي نعرفه اليوم إلى ان تم بلورتها من قبل علماء الاجتماع في العصر الحديث، مثل توماس هوبز و جان جاك روسو. 

 

الهدف من انشاء العقد الاجتماعي هو إيجاد إطار موضوعي للتعامل بين الحاكم والمحكوم أو الشعب؛ وأيضاً لتنظيم العلاقات بين افراد الشعب نفسه.

 

ما هي الوثيقة فوق الدستورية؟

الوثائق فوق الدستورية، بشكل عام، تتضمن ما يسمى بالمبادئ فوق الدستورية؛ والتي تكون مجموعة من المبادئ اسمى من الدستور والقوانين العادية. هذه المبادئ منها ما هو دولي، كوثيقة حقوق الانسان الصادرة عن الأمم المتحدة، ومنها ما هو وطني.

المبادئ فوق القانونية الوطنية، تصاغ بحسب حاجة دولة او شعب محدد، بعيداً عن المواثيق الدولية. ونجد الاختلاف في هذه المبادئ جلياً إذا ما قارنا ما بين الوثائق فوق الدستورية الفرنسية والأمريكية والألمانية وغيرها. حيث نصت الوثيقة الفرنسية على وحدة الأراضي الفرنسية وشددت على الحفاظ على الحكم الجمهوري، وكان ذلك للحرص على عدم العودة للحكم الملكي، الذي قامت الثورة الفرنسية بالإطاحة به.

بينما في الولايات المتحدة الأمريكية، كان من أولويات وثيقة اعلان الاستقلال، التشديد على النظام الاتحادي. ولذلك نجد الدستور الأمريكي يشدد على ان أي تعديل في الدستور، يقوم به الكونغرس، لا يمكن ان يحرم أي ولاية من التصويت في مجلس الشيوخ.

هذه المبادئ المختلفة، تعرض لنا نبذة عن اختلاف حاجات كل دولة من هذه الدول، والذي أدى إلى الاختلاف في صياغة المبادئ تلك.

 

وثيقة فوق دستورية لسوريا

إن ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، وبعد سنين طويلة من الحرب الدموية والظلم، تجعل هذا البلد، ذو التنوع العرقي والديني والثقافي، في اشد الحاجة لوضع وثيقة مشابهة لما سبق. وثيقة تقوم على احترام الانسان بغض النظر عن دينه وعرقه وثقافته وانتماءه، وتضمن له الامن وحرية الايمان والاعتقاد والتعبير والانتماء.

ان الشخصيات التي وقعت على “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك"، ربما كانت تسعى لاتخاذ الخطوات الأولى باتجاه ردم الهوة التي خلقتها الحرب بين أبناء البلد الواحد. فهل من الممكن ان تمثل هذه المدونة وثيقة فوق دستورية لسوريا يجتمع حولها السوريون؟