تقرير

2021.03.01

عقد اجتماعي لسوريا

احدى تلك المصطلحات، التي نسمعها كثيراً في الميدان السياسي اليوم، هو “العقد الاجتماعي”؛ ولكن احداً لم يذكر لنا ما المقصود بهذا العقد، وهل هو عقد قانوني مثله مثل أي عقد مبرم بين طرفين أو أكثر؟ هذا المقال يشرح ماهية العقد الاجتماعي ووثائق المبادئ فوق الدستورية.

 

ان مفهوم العقد الاجتماعي ليس مفهوم جديد على الإطلاق، بل يعود تاريخه للعصور الرومانية القديمة. بيد ان الرومانيين القدماء لم يجدوا له تعريفاً دقيقاً، فقد كان عرفاً سائداً فرضته ظروف الحياة والحروب في تلك الحقبة.

بدأ ظهور فكرة العقد الاجتماعي في شكلها الفلسفي في كتابات وافلاطون وسقراط. حيث دعا سقراط إلى تشكيل مجتمع سياسي، وهو ما نعرفه اليوم باسم “البرلمان”. ولكن سقراط جعل هذا المجلس، الذي يمتلك سلطة الدولة، مقتصراً على “النخبة” المجتمعية من الرجال، مستبعداً منه الطبقة العاملة والنساء. كما انه اقترح ان الدولة هي التي تحقق وجود الفرد الحقيقي.

وفيما بعد، جاء في مقدمة ابن خلدون انه يجب ان يكون هناك ما ينظم العلاقة بين الحاكم والشعب، مشيراً إلى ان قيام السلطة ضرورة طبيعية، وبما ان طبيعة الحاكم تميل إلى السيطرة والطغيان، فيجب على افراد المجتمع ان يبادروا بطلب ما ينظم هذه العلاقة.

 

ولكن بالرغم من قدم فكرة العقد الاجتماعي، إلا انها لم تقدم بالتعريف والمفهوم الذي نعرفه اليوم إلى ان تم بلورتها من قبل علماء الاجتماع في العصر الحديث، مثل توماس هوبز و جان جاك روسو. 

 

الهدف من انشاء العقد الاجتماعي هو إيجاد إطار موضوعي للتعامل بين الحاكم والمحكوم أو الشعب؛ وأيضاً لتنظيم العلاقات بين افراد الشعب نفسه.

 

ما هي الوثيقة فوق الدستورية؟

الوثائق فوق الدستورية، بشكل عام، تتضمن ما يسمى بالمبادئ فوق الدستورية؛ والتي تكون مجموعة من المبادئ اسمى من الدستور والقوانين العادية. هذه المبادئ منها ما هو دولي، كوثيقة حقوق الانسان الصادرة عن الأمم المتحدة، ومنها ما هو وطني.

المبادئ فوق القانونية الوطنية، تصاغ بحسب حاجة دولة او شعب محدد، بعيداً عن المواثيق الدولية. ونجد الاختلاف في هذه المبادئ جلياً إذا ما قارنا ما بين الوثائق فوق الدستورية الفرنسية والأمريكية والألمانية وغيرها. حيث نصت الوثيقة الفرنسية على وحدة الأراضي الفرنسية وشددت على الحفاظ على الحكم الجمهوري، وكان ذلك للحرص على عدم العودة للحكم الملكي، الذي قامت الثورة الفرنسية بالإطاحة به.

بينما في الولايات المتحدة الأمريكية، كان من أولويات وثيقة اعلان الاستقلال، التشديد على النظام الاتحادي. ولذلك نجد الدستور الأمريكي يشدد على ان أي تعديل في الدستور، يقوم به الكونغرس، لا يمكن ان يحرم أي ولاية من التصويت في مجلس الشيوخ.

هذه المبادئ المختلفة، تعرض لنا نبذة عن اختلاف حاجات كل دولة من هذه الدول، والذي أدى إلى الاختلاف في صياغة المبادئ تلك.

 

وثيقة فوق دستورية لسوريا

إن ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا، وبعد سنين طويلة من الحرب الدموية والظلم، تجعل هذا البلد، ذو التنوع العرقي والديني والثقافي، في اشد الحاجة لوضع وثيقة مشابهة لما سبق. وثيقة تقوم على احترام الانسان بغض النظر عن دينه وعرقه وثقافته وانتماءه، وتضمن له الامن وحرية الايمان والاعتقاد والتعبير والانتماء.

ان الشخصيات التي وقعت على “مدونة سلوك لعيش سوري مشترك"، ربما كانت تسعى لاتخاذ الخطوات الأولى باتجاه ردم الهوة التي خلقتها الحرب بين أبناء البلد الواحد. فهل من الممكن ان تمثل هذه المدونة وثيقة فوق دستورية لسوريا يجتمع حولها السوريون؟

من نحن

سوريا ١١ هي مدونة تستمد اسمها من البنود الاحد عشر في "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" التي تطرح أفكارًا من السوريين للسوريين، وتستقبل ما يراه السوريون مناسباً لإعادة إحياء دولتهم، بكل أبنائها و أديانها وقومياتها ولغاتها في وطن واحد، تناقش معهم ويتناقشون فيما بينهم على شكل نظام الحكم الذي يريدونه وفق إراداتهم واتفاقهم .

هذا الموقع هو محاولة لفتح قناة تواصل بين أبناء الشعب السوري والسوريين القائمين على "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" و "مجلس المدونة السورية"، لتبادل الأفكار ومناقشتها، مستلهمين من التاريخ البشري القديم والحديث، ومن تجارب الشعوب التي مرّت بأزمات وانتصرت على آلامها وأعادت إحياء أوطانها بتضامن مواطنيها وعزيمتهم، عبر الحفاظ على السلم الأهلي و التماسك المجتمعي .

نأمل ونعمل على أن تكون المدونة بداية الطريق نحو سورية الوطن الجامع.

مساهمات أعضاء المجلس

2020.12.08

إلى برلين السلام.

لم يكن اجتماعنا نحن السوريين في برلين من أجل التباحث حول "الحياة" والوقوف ضد "الموت" سرياً، أو أن هناك ما نخجل منه ونود كتمانه. لكن البعض، ممن صارت الحرب مهنتهم، ولا يريدون التحول لضباط سلام، في وطني الجريح، يود وضع العثرات في طريق كل محاولة تهدف لأن نصير نحن ضباط السلام. كما أن اللقاء لم يكن لقاء طوائف، لا عنواناً ومضموناً، بل هو لقاء فعاليات وطنية سورية، لها حيثية وقيمة في مجتمعاتها، من كل أنحاء سوريا.

ولأن بعض الصحف لازالت تحب أن تكتب العناوين المبهرة لكي تحقق الاندهاش عند القراء، الذين غالبا ما يتوقفوا عند العنوان دون القراءة التفصيلية للمقال، فلقد تم عنونة لقائنا في برلين في إحدى الصحف بأنه لقاء سري حصل بين العلويين والسنة من أجل السلام في سورية!

ولقد وقفت شخصيا قبل شهرين في لقاء من لقاءات برلين وقلت لجميع الحاضرين: "لست هنا بوصفي علوياً بل كأكاديمي سوري، وإن أي تفكير يبدأ بجمع الطوائف سيؤدي في نهاية المطاف لخلق كيان سوري مشوه على أساس طائفي يماثل المشهدين اللبناني أو العراقي". ولقد لاقى كلامي استحسان الجميع.

في عام 1925 عندما كانت سورية تحت الانتداب الفرنسي، أرسل المفوض السامي الفرنسي للشيخ الكبير صالح العلي رسالة يعلن فيها استعداده لإقامة دولة للعلويين في الساحل. وكان رفض الشيخ صالح مدوي وواضح، وردّ على العرض قائلاً: "عليك أن تعلم، أنني سأختار، أنا وكل أهل الساحل، المذهب السني إن حاولتم تفريقنا". وبالفعل، بإرادة هذا الرجل وإرادة عدد كبير من قيادي ثورة 1925 قام الكيان السوري المعروف الآن على أساس لا مذهبي.

نحن نناضل من أجل المواطنة، ومن أجل دولة مدنية تحترم العقائد وتقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والمذاهب وتمد يدها لصنع النهضة والسلام وتخلق لشعبنا الظروف التي تجعله قادرا على تحويل عبقريته إلى نهضة كبرى.

عندما وصلت الى برلين واستقبلني الزملاء المنظمون كان لي تصوري المسبق عن الاحترام والتهذيب وحب العمل الألماني. وفي الحقيقة هذا ما رأيته، فلقد قدم لنا مضيفونا بكل احترام كل امكانيات الحوار حتى أنهم قالوا وبكل صراحة: "سنخرج وندعكم تتكلمون لوحدكم". ولقد أدى كل هذا التعاون من قبلهم مع جميع المشاركين لخلق "مدونة العيش المشترك"، التي أحب أن أسميها أنا (مدونة الحياة)، وهي التي تتضمن إحدى عشر بنداً لا أرجو كمواطن سوري إلا تطبيقها في الحال في وطني لكي يبدأ مشوار الحل الاجتماعي، ثم السياسي.

فمن وحدة الأرض السورية، إلى المكاشفة، إلى مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وعدم الثأر، ووحدة الهوية مع تنوعها الداخلي، كل هذه المبادئ التي صنعناها في برلين وخرجت إلى النور لكي تشكل ما يشبه حوار "الآباء الأولين" الفوق دستوري، خاصة وأن ما تحمله لنا الأيام القادمة هو انعقاد اللجنة الدستورية العليا في جنيف من أجل البدء بوضع دستور جديد للبلاد. دستور سيؤسس على مبادئ المواطنة والحرية والمساواة واللاطائفية. فأنا كسوري أشعر أنني مسيحي اذا ظلم المسيحيون، وسني اذا ظلم السنة، وإسماعيلي اذا ظلم الإسماعيليون، وعلوي ودرزي إذا ظلم هؤلاء. أي أنني خلقت للدفاع عن قضية المظلومين، والمظلومون اليوم هم كل السوريين بلا استثناء لأنهم فقدوا الأمان وخسروا عشرات آلاف الضحايا وعانوا من القهر والاستبداد والإرهاب المتطرف. إن السوري اليوم لا يقف في وجه ذئب واحد. إنه يدعو الأمم المتحضرة "كالأمة الألمانية" للوقوف معه، لأنه يصارع عددا من الذئاب في وقت واحد. لهذا فإنني أرسل التحية إلى برلين التي احتضنت اجتماعات الحوار، التي خرجت منها هذه المدونة المحترمة "مدونة(الحياة)".