مقالة رأي

2021.08.16

القناعة بنسبية المفاهيم كأساس لأية فكرة لحل الأزمة السورية

لا معدى عن التأكيد بداية بأن أي حديث عن النسبية في أي مجال أو مقام هو حديث إشكالي يحمل بذور خلاف عقائدي. فالأخذ والرد، بشكل عام، يقوم على فكرة النظرية، أو التوصيف، أو الرأي، أو الفرضية وما يناقض هذه المفاهيم على طرف نقيض. أما النسبية بحرفيّتها وفحواها فتقوم على نفي وجود أو نفي أحادية وجود تلك المفاهيم. فالتمسك بالنسبية لا يعني محاولة دحض الحجج التي تقوم عليها النظرية، ولكن قبول فكرة تعدد النظريات، لابل أحياناً عدم القبول بوجود نظرية أو فرضية بالأصل. وهذا الموضوع هو أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بشأن سياسي أو اجتماعي أو ديني، أو عندما يرتبط بحقول البحث العلمي المتعلقة بالعلوم الإنسانية بشكل عام. فكل ف رد يعتقد بأنه على صواب والآخرين على خطأ عندما يرتبط الأمر بهذه المجالات، فالقناعة بالرأي الذاتي والمفهوم الشخصي هنا هي أساس التفكير ومحوره.

 

وإذا خصصنا الموضوع، فما يمكن الجزم به بخصوص المسألة السورية، بأن مجرد طرح مسألة النسبية غير مقبول في العديد من أوساط المجتمع السوري المعارض والموالي، إذا قبلنا بهذا التقسيم على سبيل المجاز هنا. وبما أن الحديث في هذا المقام حول النسبية، فإن ما تقوم عليه تكون فكرتها الأساسية المرتبطة بالمسألة السورية هي: تقبّل المعارض والموالي وحججهما. على أن هذا ليس غرضاً بحد ذاته، بل وسيلة للحث على نوع من التواصل بين المعسكرين ودعوة لكل مرء بالتفكير في نظريته وفرضيته بخصوص الأزمة السورية، من داخل الفرضية أو من خارجها. والنداء هنا ليس نداء لتغيير المواقف وإنما نداء لقبول نسبية الموقف الذاتي ونسبية الموقف الآخر. وحتى إذا لم يكن المرء قادراً على تقبل فكرة نسبية فرضيته وفرضية الآخر، فالمهم أن يتم تقبل نسبية أو جدلية خصائص الموقف أو أسسه، سواء كان الموقف الذاتي أو موقف الآخر.

 

لعل مدونة السلوك بمبادئها الإحدى عشر، وعمل مجلسها، يمثلان طريقة من طرق استخدام النسبية في إطار البحث عن توافقات معينة تصلح كقواعد اتفاقية للبدء في حل الأزمة السورية. فالنقاش حول المدونة انطلق من فكرة اختلاف آراء الأشخاص الجالسين على الطاولة وتباين مواقفهم وطروحاتهم والفرضيات التي يؤسسون عليها مواقفهم من الأزمة السورية. مما يجب الإشارة إليه في هذا المقام بأنه لم تتم أية محاولة في اجتماعات مجلس المدونة لتوحيد الآراء أو تقريبها، وإنما تم إتاحة المجال للجميع لإبداء رأيه وتوضيح أسبابه. والغرض من ذلك تمثل تماماً في إظهار نسبية جميع الآراء مقارنة مع كلية الأزمة السورية التي أصابت جميع السوريين. وهذا ما عبرت عنه المدونة بالاعتراف الجماعي بالحالة السورية من خلال مبدأ المكاشفة والاعتراف، إذ يتمثل أحد أهم أهداف هذا المبدأ في امتصاص الاحتقان المجتمعي من خلال وضع الآراء المختلفة في سياق نسبي واحد.

 

من واقع الآراء الصريحة التي تم تبادلها بين المجتمعين، انطلق البحث في الآراء المختلفة عن المفاهيم المشتركة التي يمكن أن يتوافق عليها الجميع ليس فقط لتناسبها مع الحالة السورية، بل لأنها أيضاً يمكن تظهر نسبية جميع المعادلات المرتبطة بالحالة السورية. فالمدونة مثلاً قد نصت في بندها الأول على وحدة الأراضي السورية بشكل مطلق، ولكنها في نفس الوقت لم تتطرق إلى مسألة تحديد شكل الدولة أهو مركزي أو اتحادي أو لامركزي، والذي يناقش حاليا في الكثير من الأوساط، وإنما تركته لمعادلات الحل السياسي القادم. كما أنها نصت في مبدئها الثالث على أنه لا يوجد منتصر في الحرب السورية. وهذا ما يعني بشكل أو بآخر بأن أي نصر عسكري هو مسألة نسبية لا يمكن التعويل عليها، إذ أن انتصار السوري على السوري بالأساس هي فكرة مرفوضة جملة وتفصيلاً، كما أن الإشكاليات التي ترتبط بأي نصر عسكري والمتعلقة بالبنى التحتية وأحوال الناس تطغى على جميع اعتبارات ومفاهيم النصر العسكري.

 

في نفس الإطار يمكن أن نفهم المبدأ الرابع، والذي يؤكد على أن جميع المشاركين في الأعمال القتالية قد قاموا بجرائم بحق الشعب السوري. صحيح بأنه مبدأ عام، ولكنه يؤكد في نفس الوقت نسبية أي موقف يمكن أن يبرر أي عمل إجرامي بحق أي سوري. وهذا يرتبط بشكل وثيق بالدعوى إلى المحاسبة الشخصية في المبدأ الخامس، والذي يهدف أيضاً إلى إظهار النسبية في مجرد التفكير بالانتقام من مجموعات بشرية معينة لانتماء أشخاص معينين في مواقع معينة، وبتحميل تلك المجموعات، ولو بالإشارة غير المباشرة، وزر ما قام به أي فرد. كما أن نسبية مفاهيم الأكثرية والأقلية من أية ناحية من النواحي الدينية أو المذهبية أو العرقية ودورها في المجتمع هي مسألة أظهرها المبدأ الثامن من خلال تأكيده على الهوية التنوّعية ومنعه لأية محاولة لاحتكار الحياة الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية من قبل أية جماعة. هذه المسألة ترتبط بشكل جوهري بمنع بناء السياسة على أساس الانتماء لأية جماعة قومية أو دينية أو مذهبية، وهو ما نص عليه المبدأ التاسع بشكل واضح.

 

بغض النظر عن الشرح التفصيلي لكل مبدأ من مبادئ المدونة ومحاولة التعمق فيه، إذ أن مكان الشروح التفصيلية ليس في هذه العجالة، فإن الأمثلة التي ذكرت من المدونة إن دلت على شيء فإنما تدل على إمكانية التوصل إلى تفاهمات بين السوريين مهما اختلفت مواقفهم من الأزمة ومهما تعددت انتماءاتهم السياسية والعقائدية والاجتماعية. نقطة الانطلاق الأكثر أهمية في هذا المقام يجب أن تكون التحديد الدقيق للمواضيع وقبول مبدأ نسبية المواقف منها. وبالعودة إلى المدونة، سأصدقكم القول بأنها لم تكن لترا النور لو استمرت نقاشات الاجتماعات الأولى حول توصيف ما حدث في 2011، والتساؤل فيما إذا كان ثورة أو لا. عندما اقتنع الجميع بفكرة "سمها ما شئت، ولكن دعنا نحدد المسائل الجوهرية في الأزمة ونحاول أن نجد توافقات حولها"، لم يحتاجوا لوقت طويل لتبني المبادئ الإحدى عشر والتصديق عليها. لعل في طريقة التفكير هذه مثالاً يحتذى به لمن يتفاوضون في جينيف، لعلهم يتبنون نسبية المواقف ويوجهوا عقولهم وقلوبهم نحو مفهوم مطلب واحد: نريد حلاً!

من نحن

سوريا ١١ هي مدونة تستمد اسمها من البنود الاحد عشر في "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" التي تطرح أفكارًا من السوريين للسوريين، وتستقبل ما يراه السوريون مناسباً لإعادة إحياء دولتهم، بكل أبنائها و أديانها وقومياتها ولغاتها في وطن واحد، تناقش معهم ويتناقشون فيما بينهم على شكل نظام الحكم الذي يريدونه وفق إراداتهم واتفاقهم .

هذا الموقع هو محاولة لفتح قناة تواصل بين أبناء الشعب السوري والسوريين القائمين على "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" و "مجلس المدونة السورية"، لتبادل الأفكار ومناقشتها، مستلهمين من التاريخ البشري القديم والحديث، ومن تجارب الشعوب التي مرّت بأزمات وانتصرت على آلامها وأعادت إحياء أوطانها بتضامن مواطنيها وعزيمتهم، عبر الحفاظ على السلم الأهلي و التماسك المجتمعي .

نأمل ونعمل على أن تكون المدونة بداية الطريق نحو سورية الوطن الجامع.

مقالة رأي

2021.05.07

النخب السورية وبوصلة النجاة

بداية، أود التنويه هنا، بأنني لا أتحدث في هذا المقام عن النخب الوظيفية التي تعيّنها السلطة لاعتبارات لامجال لذكرها، وإنما أتحدث عن نقاط القوة الحقيقية في المجتمعات، وعن أصحاب الضمير الوطني الذين يعبرون عن اتجاهات الرأي العام الحقيقية في المجتمع. ففي الحالة السورية، وعلى الرغم من التشوهات البنيوية التي أصابت المجتمع السوري نتيجة معادلات سلطوية على مدى عقود أدت إلى إزاحة العديد من النخب السورية عن الواجهة السياسية والاجتماعية لاعتبارات سياسية في المقام الاول، إلا أن النخب السورية مازالت تحمل بوصلة النجاة لهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا. إذ أنها هي القادرة على رسم خارطة الخلاص الوطني وترميم التصدعات الخطيرة التي ظهرت في بنيان المجتمع السوري.

 

هنا، يجب التنويه بأن هذه النخب قد تعرضت إلى التهميش والاستبعاد لحساب النخب الوظيفية، التي تم فرضها من قبل السلطة الحاكمة في جميع العهود. هذا الفرض للنخب الوظيفية اعتمد على تفاضل سياسي قائم على الولاء كمعيارا للقرب من السلطة أوللبعد عنها، دون اعتبار للكفاءة والنزاهة والقدرة على التأثير. مما أدى في النهاية إلى إبعاد النخب الحقيقية عن ممارسة دورها. وللمفارقة، وفي اعتراف ضمني بداية من السلطة ثم من المعارضة، فقد لجأ الطرفان بعد اندلاع النزاع وتفاقمه واتساعه ليشمل مساحات واسعة من البلاد، إلى نخب مهمشة بشكل كبير طلباً للتدخل ومحاولة الوساطة والتهدئة. والسبب في ذلك يتمثل في عجز النخب الوظيفية عن التأثير في المجتمع لأسباب عديدة، يبدو بعضها وبشكل افتراضي وكأنه انتقامي من أطراف النزاع. إذ أن تلك النخب الوظيفية تتألف من سوريين أقل خبرة وتأثيراً من أولائك الذين ينتمون إلى النخب المجتمعية الحقيقية. وسوريوا النخب الوظيفية هم من تصدر المشهد في الحرب، وهؤلاء لايقلوا غُلوَّاً عن أطراف النزاع، وإن عزَّ التشبيه.

 

عموماً، فقد صادرت الحرب خيارات السوريين كأفراد، و بلا استثناء لأي سوري. إذ أصبح الجميع بشكل ما وقودا للحرب والفوضى والدمار. خلال ذلك، وأتحدث هنا من زاويتي الشخصية، تأكد للسوريين بما لايدع مجالاً للشك، هشاشة الشعارات التي كانت مرفوعة، والتي كانت موضع التنظير في الندوات والصحف، ومن أهمها مبدأ المواطنة، الذي هو أرقى منتج حضاري توصلت إليه البشرية، حيث لم يصمد الانتماء الوطني عند جميع الأطراف على أرض الواقع. فالحرب جعلت السوريين يرتدّون الى انتماءاتهم البدائية، أي ما دون الوطنية، بعد أن فشل انتماؤهم لوطن واحد في ضمان حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حق الحياة، تجاه أطراف النزاع، فارتد المجتمع السوري حضاريا الى الحقبة الأولى لتأسيس الدولة السورية، أي حقبة ما بعد الحكم العثماني قبل مئة عام تقريبا.

 

ففي هذه الحقبة كانت النخب السياسية والمجتمعية السورية عاجزة عن تحديد الهوية السورية بعد انهيار الدولة العثمانية. إذ تراوحت الهوية السورية بين القومية العربية والانتماء الإسلامي واعتناق الاشتراكية أو الشيوعية. واستمر هذا حتى استلام البعث للسلطة عام 1963، حيث تم حسم الموقف بالقرار الحزبي الفردي بأن سوريا هي مجرد دولة مؤقتة لها صفة القطرية تنتظر قيام دولة الوحدة العربية. والملاحظ بأن سوريا شهدت ابتداءاً من أول دستور وضعته الجمعية التأسيسية في الثالث من تموز/يوليو 1920 وحتى دستور عام 2012 تسعة دساتير. هذا ما يمكن تفسيره بأن العقد الاجتماعي والسياسي السوري هش جداً، وخاصة بعد أن تدرج العسكر من القوة الرئيسية في الحياة السياسية السورية، إلى الحاكم الأوحد للبلاد، إذ استولت السلطة العسكرية عملياً على الدولة والسياسة والمجتمع. إذاً، فالقصة ليست قصة عشرة أعوام من الحرب من عمر سوريا التي نعرف، بل هي مسألة التدمير الممنهج، إن صح التعبير، لبلد كان الأكثر حيوية في الشرق الاوسط بفضل ما يمتلكه من ثروات متنوعة، على رأسها الإنسان.

وكغيره من المجتمعات يزخر المجتمع السوري بهويات جزئية قائمة على اعتبارات قبلية، إثنية أو دينية مذهبية. كما أن التنوع يمتد إلى الهويات الحزبية والإيديولوجية الأخرى البعيدة عن التطرف، والتي تثري الهوية الوطنية السورية. فهذا التنوع هو الضمانة الحقيقية للمجتمع السوري، على عكس ما تم تصويره في خضم الاصطفاف المحموم على ضفتي المحرقة. ولعل الإصرار المريب من قبل أطراف النزاع على تفكيك البنية المجتمعية السورية من خلال الخلط المتعمد بين الوطن والسلطة، وفرز مكونات المجتمع إلى موالاة ومعارضة كخيار وحيد وحتمي على حساب الهوية الوطنية، وعلى حساب التطور التاريخي لأية أمّة، يَسْقُط من خلاله بالضرورة أي انتماء دون الانتماء للوطن. على أن الفرز على أساس المعارضة والموالاة أفرز الكثير من الخلافات التي يصعب تجاوزها، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة. وهذا ما قاد البلاد إلى مانحن فيه، ليبدو مجتمعنا السوري منهاراً اجتماعياً، وذلك في سياق موازٍ للمشهد العام المأساوي.

 

اليوم، وبعد هذا النزيف العبثي خلال سنوات الحرب وما نتج عنه من أزمات وكوارث لاتقل خطورة عن الحرب ذاتها، من فقدان جيل أو أكثر من فئة الشباب ودمار للبنية التحتية واللجوء والشتات والمفقودين والمعتقلين ومعوقي الحرب والمخطوفين ومجهولي المصير والأيتام والأرامل والثكالى والانهيار الاقتصادي والفقر والجوع، بات جميع السوريين على اختلاف مواقفهم يتساءلون في مواجهة هذه الكارثة الإنسانية عن السبيل إلى إنهاء هذا الوضع بأي ثمن. وما زاد من حيرتهم ويأسهم استمرار الصراع العسكري من جهة، وعدم قدرة أطراف النزاع الوصول إلى أي بادرة حل سياسي. إذ أن التجاذبات السياسية زادت حدتها في ظل وجود قوى عسكرية أجنبية تخشى الانزلاق في صراع طويل الأمد يرهقها عسكريا واقتصاديا، عدا عن التخوف من الصدام العسكري المباشر فيما بينها. وهذا قد يدفع تلك القوى للتفكير في فرض أي حل يضمن، إضافة إلى مصالحها في سوريا، حالة من حالات الاستقرار، دون الاهتمام تحت أي عنوان سيكون هذا الحل. تلك الحالة هي التي أدت تماماً بأطراف النزاع إلى رفع درجة التوتر السياسي، بهدف الوصول إلى أضخم المكاسب من القوى العسكرية المتحالفة معها على الإقليم السوري.

 

في ظل هذا الواقع المعقد يبدو أنه لا معدى عن طرح السؤال حول الحل في سوريا: أين يبدأ؟ فالعكسريون من كل الأطراف يقترحون إنشاء مجلس عسكري مشترك، والسياسيون يقترحون إنشاء جسم سياسي جديد، والقانونيون يتحدثون عن العدالة والمحاسبة، و‏الناشطون الحقوقيون يتحدثون عن الحوار وحقوق الإنسان والديمقراطية. ونحن في مجلس المدونة السورية اجتهدنا لجمع كل هذه الرؤى في مدونة السلوك لعيش سوري مشترك، والتي احتوت على أحدى عشر بنداً، كانت ثمرة حوارات ونقاشات على مدى عامين، اشترك فيها نخب وطنية سورية من داخل سوريا وخارجها. هذه النخب عبرت عن رغبة صادقة في الحفاظ على وحدة الاراضي السورية، والمحاسبة، وجبر الضرر، ومتابعة الملف الانساني، ومبدأ المساواة وعدم تهميش أي مكون سوري. في النهاية، وبغض النظر عن كوني عضواً في هذا المجلس، فإن هذه الرؤى تبدو وكأنها وصفة أشبه بالترياق القادر على إنعاش الجسد السوري من الموت السريري، وإعادته للحياة كما نأمل.

مقالة رأي

2021.03.19

السلم الأهلي: هل هو ضرورة لابد منها في سوريا؟

يعتبر السلم الأهلي، في بلد متعدد الانتماءات والأديان والطوائف والقوميات مثل سوريا، مشروع أخلاقي وإنساني بقدر ما هو مشروع سياسي يطمح له كل عاقل في سوريا المنكوبة، وهو الأساس الذي يرتكز عليه استقرار أي مجتمع، استقرار يُبنى على إحساس المواطن وتلمسه للعدل والمساواة والحقوق في دولة ونظام سياسي قائم على التعددية السياسية والديمقراطية وحكم القانون. كما أنه إقرار وقبول مسبق من كافة مكونات المجتمع على صيغة عيش مشترك تتضمن الإقرار بأن السلم الأهلي هو البديل الضروري لثقافة العنف وخطاب الكراهية والتحريض على القتل والاقتتال ونبذ ونفي الآخر.

من يراقب المشهد العربي ويدقق بالأحداث التي تجري في البلدان العربية، خاصة البلدان التي عصفت بها رياح التغيير أو المطالبة به بشكل أو بآخر مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان، يشعر أن ثمة مشكلة دائمة تهدد أمن واستقرار هذه الدول، حيث أن الحرب والصراع القائم في هذه البلدان وحجم العنف المنفلت، لا يعبر بالضرورة عن السلوك البشري بقدر ما يعبر عن خلل في العقد الاجتماعي ونظام العيش المشترك ودور السلطة السياسية والمجتمع عموماً في تعميق هذا الخلل. وقد شهدت تلك الدول المذكورة، وما تزال، موجة من العنف والاقتتال كانت سبباً رئيسياً في هدم عوامل السلم الأهلي المعتاد والملغوم، ومما ضاعف عملية هدم عوامل السلم الأهلي، أن العنف والاقتتال لم يقتصر على حروب تقليدية بين الجيوش النظامية، بل تعداه إلى انخراط فئات هامة ووازنة من المجتمع في الحرب، الأمر الذي جعل إمكانية إطفاء هذا الصراع صعب جدا ويتطلّب جهوداً كبيرة، هذا عدا عن أن أحد إفرازات تلك الحروب، وخاصة في سوريا واليمن وليبيا وإلى حد ما العراق، هو توجه المسؤولين السياسيين فيها إلى صرف النظر عن كل مشاريع التنمية والبناء وحصر جلّ اهتمامهم في كسب الحرب وتفادي الهزيمة وتسخير كل موارد الدولة لخدمة الحرب والدمار، الأمر الذي أفرز تدهوراً في عملة البلاد وفي القدرة الشرائية للمواطن وتدني مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة.

السلم الأهلي المصطنع:

تعيش العديد من دول العالم حالة من التنوع الديني والقومي والطائفي، وهذا الأمر ربما يكون إحدى سمات المجتمعات الحديثة، إذ يندر وجود دولة واحدة لا توجد فيها تعددية، لكن إدارة هذه التعددية والتنوع والتعامل معها من قبل السلطة السياسية والمجتمع أوصل العديد من الدول، ومنها سوريا، إلى حالة من الصراع، ذهب ضحيته الألاف من شعوب هذه الدول. إذاً، المشكلة ليست في التنوع والتعددية، بل في إدارة هذا التنوع. فالإدارة السلمية الإيجابية هي التي تجعل التعدد والتنوع نعمة وليس نقمة. وكل ذلك يعتمد على طبيعة النظام السياسي وبنيته وتداخله مع النظام الاجتماعي بسلبياته وإيجابياته.

إذا كان هناك عنوان للإدارة السورية على المستوى السياسي والاجتماعي لهذا التنوع والتعدد، فهو الفساد وشراء الذمم وخدمة المصالح الضيقة، لفئة من الناس، تحصد المال العام والوظائف الحكومية بحسب بعدها وقربها من السلطة السياسية أو تبعاً لنفوذها الاجتماعي. إذ أن السلطة السياسية ومن خلال تداخلاتها الاجتماعية استطاعت أن تفرض على المجتمع عقداً اجتماعياً سياسياً يمكن تسميته بالعقد التسلطي، فحواه إذعان ورضوخ الأفراد بالقوة للسلطة السياسية وللنفوذ الاجتماعي، وتفرّد السلطة بالقرار السياسي والأمني والاقتصادي. كل ذلك مقابل إعطاء المواطن إحساساً باستقرار المجتمع وبأن هذا الاستقرار دائم الطبيعة.

لا يمكن لهكذا سلطة مغلقة، تتمحور حول نواة صغيرة من المتنفذين في الدولة والمجتمع، وتكون فيها دائرة اتخاذ القرار ضيقة جداً، أن تستفيد من تنوع وتعدد المجتمع. لذلك وبدلاً من إدارة هذا التنوع الاجتماعي بشكل سلمي وإيجابي يحفظ لكل مكون من مكونات المجتمع حقه وخصوصيته في العيش بشكل محترم والتعبير عن هويته الدينية أو الحزبية أو حتى المناطقية ضمن الدستور، كانت الإدارة إدارة قسرية قهرية زرعت على مدى سنوات طويلة بذور التوترات الاجتماعية، التي أسست إلى تنامي خلخلة السلم الأهلي وضعضعة الإحساس بالاستقرار الاجتماعي المصطنع أصلاً. كل ذلك قاد المجتمع المتأثر أصلاً بفكرة أحقية الأقوى نفوذاً بفرض رأيه السياسي إلى النكوص والرجوع إلى مفاهيم خاوية المعنى توهم الأفراد بديمومة السلم الاجتماعي القائمة على سلطة مراكز النفوذ.

 إن التعامل مع التعددية والتنوع، في المجتمع السوري، يوجب أولاً الاعتراف الواضح والصريح بكل مكون من مكونات المجتمع، مهما كان حجمه، وفتح قنوات بين السلطة السياسية والممثلين الحقيقيين لتلك المكونات؛ وذلك بهدف الوصول إلى صيغة مشتركة تضمن العيش المحترم للجميع. وهذا ما افتقدناه على مدى السنوات الطويلة الماضية. من خلال منظومة أجبرت المواطن السوري على البحث عن مظلة يستظل بها، بعد أن تم إقصاؤه وتهميشه وحرمانه من أي نوع من أنواع المشاركة، سواء السياسية منها أو الاقتصادية، فلم يجد سوى هويته الفرعية، لعله يحصل على الأمان والاطمئنان الذي يحتاجه.

دور الفعّاليات الاجتماعية السورية في تفعّيل شبكة السلم الأهلي:

يعد الصراع القائم في سوريا من أسوء الكوارث التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، من حيث حجم الدمار والقتل، ومن حيث التدخلات الاقليمية والدولية التي أججت الصراع، مما أدى إلى كوارث اجتماعية واقتصادية وإنسانية، وتدهور كبير في ما بقي من الروابط والشبكات الاجتماعية. وذلك نتيجة للاستقطاب الحاد وانتشار العصبيات المذهبية والدينية والقومية، تلك العصبيات التي انتعشت نتيجة فقدان الثقة بين مكونات المجتمع وبين الأفراد وعدم الشعور بالأمان بسبب مظاهر الخطف والاعتقال والاختفاء القسري وتفشي الجريمة على نحو واسع.

بعد انهيار السلم الأهلي المصطنع الذي كان عنوان سنوات ما قبل الحرب، وفي ظل هذا الوضع الكارثي للبلد، فإن الأمر يقتضي العمل بسرعة على إعادة تفعيل العلاقات والروابط والشبكات الاجتماعية وتعزيز التعاون والتضامن بين الأفراد والجماعات على مستوى سوريا كلها، وذلك من خلال:

التواصل بين شخصيات سورية فاعلة مؤثرة، اجتماعياً ودينياً، وتتمتع بسمعة أخلاقية ووطنية وبخبرة وحكمة، للحوار والمطالبة بوقف العنف باعتباره أحد أهم العوامل التي أثرت على أمان المواطنين.

البحث مع الشخصيات الفاعلة في إنشاء شبكات أمان اجتماعية وفتح باب اللقاءات والحوارات بين الفعاليات الاجتماعية بعيداً عن العصبيات التي تكرست خلال الحرب.

العمل مع جميع الأطراف السورية على إيجاد آلية لتفعيل شبكات الأمان الاجتماعية على أرض الواقع، من خلال تشكيل مجموعات اتصال ذات مهام مختلفة، مثل المساعدة في عودة المخطوفين إلى ذويهم أو القيام بمبادرات إنسانية وإغاثية عابرة للطوائف. لأن العمل المشترك في هذه الشبكات يعزز الثقة المجتمعية بين الأفراد والجماعات، ويشيع جو من الأمان المطلوب لتعزيز المصالحة والثقة، كما أن هذه الشبكات يمكن أن تساعد، على المدى الطويل، في بناء حوارات المجتمع المدني الهادفة لتعزيز شبكة الروابط الاجتماعية وتعزيز عوامل بناء سلم أهلي متين ومستدام.

شبكات الأمان هذه ليست مشروعاً سياسياً ملحقاً بحزب أو مجموعة سياسية معينة، بل هي عمل مدني يهدف إلى تعزيز ثقافة السلم الأهلي وثقافة الاختلاف والتعددية واحترام الأديان والثقافات المختلفة.

في النهاية لا بد من الإقرار بأن سوريا تعيش حالة كارثية على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية، كما أصبحت مرتعاً لكل متطرفي العالم وبؤرة لصراعات إقليمية ودولية، وأعتقد أن العالم ليس بعجلة من أمره لإيجاد تسوية سياسية ووقف الحرب في سوريا، لذلك لا يُفيد تحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية، ما يُفيد هو العمل بكل إمكاناتنا لوقف الصراع ومحاولة بناء السلم الأهلي من خلال نخب وطنية اجتماعية وسياسية، تعمل على لئم الجراح وبلورة خطاب وطني جامع.


إن الأفكار الواردة في هذا المقال تمثل فكر الكاتب ولا تعكس موقف المجلس أو الصفحة بالضرورة


بسام جوهر

ضابط ومعتقل سياسي سابق.