مساهمات أعضاء المجلس

2021.11.16

أزمة الهوية السورية

 

 

مما لا شك فيه أن الأزمة السورية شديدة التعقيد

  • لأسباب داخلية ذاتية، تتلخص باحتكار الحياة السياسية لعقود طويلة، الأمر الذي أدى إلى اختناقات سياسية لم تجد طرقاً طبيعية للتنفس عبر الوسائل الطبيعية للعمل السياسي، مما أدى إلى حالة انفجار عشوائي، و تشظي في بنية المجتمع السوري .
  • و لأسباب إقليمية و دولية، تتعلق بإعادة تشكيل النظام العالمي برمته، فكانت سوريا إحدى الساحات التي تَمظهَرَ فيها هذا الصراع مستغلاً الهشاشة الداخلية البنوية للمجتمع السوري، حيث تم إيقاظ (أدوات ما قبل الدولة )، و استغلالها كبيادق في حروب الوكالة أو ما عُرف بحروب الجيل الرابع  .

و إذا كان من الصعب التحكم بالعوامل الخارجية التي استثمرت في الأزمة، فإنه لا مندوحة و لا مناص من فتح حاشية على العوامل الداخلية البنيوية التي ساهمت في إضعاف الهوية السورية بوصفها انتماء جامع مانع، و وعاء هوياتي يصنع كينونة مكتملة و حصينة بذاتها، علماً أن ما سيُقال لا يختصر كل عوامل الأزمة الداخلية و لكن المقام لا يتسع لأكثر من مقال.

 باستثناء خريطة و بضعة أوراق في أدراج الأمم المتحدة، فلا يوجد في تاريخ سوريا الحديث أي جهة سياسية أو أيديولوجية، تعترف بسوريا كوطن ناجزو نهائي .

الإسلاميون السوريون : يدعونها بلاد الشام كجزء من دولة الخلافة الإسلامية التي ينتظرون و يعملون على إحيائها من جديد!

- الشيوعيون اليساريون : تماهوا مع شعار الأممية العالمية، واعتبروها جزءً مُلحقاً بهذا الاستقطاب الدولي الذي رسم حدود الحرب الباردة بين المعسكرالرأسمالي الليبرالي، والمعسكر الاشتراكي الشيوعي  .!

- العروبيون، البعثيون، والناصريون، والوحدويون الاشتراكيون : تبنوا فكرة الوحدة العربية كوطن نهائي، وبنوا كل سياساتهم على مرحلية القطرية المُسخّرة من أجل فكرة القومية الأعلى و لأسمى .!

- القوميون السوريون : اعتبروها جزءً من الهلال الخصيب وسوريا الطبيعية الكبرى !

- الكردية السياسية، تريد اقتطاع قسم منها و ستتباعها إلى دولة كردستان التاريخية الافتراضية ! .

.علينا أن نعترف أن أحلام الساسة السوريين وطموحاتهم كانت دوماً تتجاوز الحدود السورية المعترف بها دولياً .

و علينا أن نعترف اليوم أن هذه الطموحات كانت غير واقعية بما يحيلها إلى الوهم الأيديولوجي.

و أيضاً علينا أن نعترف أن تلك الأيديولوجيات ساهمت ( بقصد أو بدون قصد )، في إضعاف حياكة الهوية الوطنية المكتملة والجامعة .

عند الجدال مع تلك الأيديولوجيات فإنً حجّتهم الحاضرة هي ( سايكس – بيكو )، اللذان رسما تلك الحدود دون استشارة أهل المنطقة، وأنها خطوط استعمارية فرضت بالقوة .

و بالرغم من أن هذا برأينا صحيح، وبالرغم من أنً تلك الخطوط مصطنعة افتعالاً، لكن هذا لا يكفي للادعاء بالاصطناع بالمعنى الذي يُجرد من الأهلية و المشروعية القانونية و الدستورية وفق التعريفات الحديثة التي رافقت تحديد وتحريرالدولة الوطنية الحديثة بعد القرن التاسع عشر.

فهذا ’’الاصطناع ’’ لم يحدث في فراغ، ولم يحدث بدون مسببات وبدون أهلية ما للاصطناع.

الاصطناع هو اختراع شيء غير موجود، وهو افتعال مطلق .!

 سوريا ليست اختراعاً، وليست افتعالاً مطلقاً والشعب الذي يعيش فيها اليوم لم يأتِ من مجرات وكواكب أخرى، بل عاش منذ آلاف السنين على هذه الأرض، واكتسب هويته وشخصيته الخاصة من تاريخها قديماً و حديثاً، بحيث تحول الشعب السوري إلى حامل حقيقي لتراث معرفي بدأ على هذه الجغرافيا بالأبجدية الأولى و النوتة الموسيقية الأولى والأرقام التي يعتمدها العالم ( (123456، و أيضاً في هذا الإقليم عرفت البشرية بدايات تلمسها للاجتماع و المعرفة و الزراعة، و لم ينتهِ كحامل للديانات الابراهيمية الثلاث التي ساهمت في تكوين ضمير المنطقة ومن ثم العالم  .

و بالرغم من تعرض هذه الجغرافيا إلى العديد من الغزوات والاحتلالات و التغيرات السياسية، إلا أن الجذر السوري الحضاري، ساهم إيجابياً في كل تلك التعاقبات وترك فيها بصمته الخاصة، بحيث كان أكثر تأثيراً بها مما أثًرت به، ولعل أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة التاريخية هو ما قاله الشاعر الروماني جوفينال (50-127م) :

 ((ان مياه نهر العاصي في سورية تصب في نهر التيبر في روما)).

 

المشكلة لم تكن يوماً في سوريا التاريخ والجغرافيا، المشكلة كانت ولا تزال هي أي سوريا نريد ؟!.

 

ليس من حقي أن أجيب وحدي على هذا السؤال، والجواب يجب أن يكون جماعياً توافقياً، بحيث يُبنى عليه مشتركات تأسيسية جامعة، لكن كمواطن سوري وكناشط في الشأن العام من حقي أن أدلي بدلوي و أقول :

(( سوريا بلد ناجز نهائي لكل السوريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية و الاثنية، والسياسية على قاعدة دولة المواطنة و القانون )).

مع التأكيد هنا أن ’’السورنة ‘‘ ليست في مواجهة أحد، وليست دعوة انعزالية، بل تترافق بشكل وثيق مع الإدراك الواقعي البراغماتي بأن الفضاء العربي هو محيطها الطبيعي، و هي أيضاً بحكم تركيبتها السكانية جزء من الفضاء الإسلامي، كما أنها جزء من المنظومة العالمية على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وفقاً للقوانين الدولية .

 

ميشيل عرنوق

 

من نحن

سوريا ١١ هي مدونة تستمد اسمها من البنود الاحد عشر في "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" التي تطرح أفكارًا من السوريين للسوريين، وتستقبل ما يراه السوريون مناسباً لإعادة إحياء دولتهم، بكل أبنائها و أديانها وقومياتها ولغاتها في وطن واحد، تناقش معهم ويتناقشون فيما بينهم على شكل نظام الحكم الذي يريدونه وفق إراداتهم واتفاقهم .

هذا الموقع هو محاولة لفتح قناة تواصل بين أبناء الشعب السوري والسوريين القائمين على "مدونة سلوك لعيش سوري مشترك" و "مجلس المدونة السورية"، لتبادل الأفكار ومناقشتها، مستلهمين من التاريخ البشري القديم والحديث، ومن تجارب الشعوب التي مرّت بأزمات وانتصرت على آلامها وأعادت إحياء أوطانها بتضامن مواطنيها وعزيمتهم، عبر الحفاظ على السلم الأهلي و التماسك المجتمعي .

نأمل ونعمل على أن تكون المدونة بداية الطريق نحو سورية الوطن الجامع.

مقالة رأي

2021.09.20

نحو حوار وطني سوري شامل

أكثر ما يسمعه المرء في هذه الأيام عندما يستطلع ما يجري حول الملف السوري يتمحور حول مؤتمرات السوريين خارج سوريا، التي عقدت أو قيد الانعقاد أو يجري التحضير لها. على أن ما يلفت النظر في هذا الإطار ليست واقعة تجمع السوريين وحوارهم، وإنما العناوين العريضة والمسميات التي يختارها القائمون على هذه اللقاءات للقاءاتهم. وهذا يعكس رغبة عارمة عند الجميع تتلخص بالحنين لأن يجلس أكبر عدد من السوريين مع بعضهم في مؤتمر وطني شامل يناقش الحالة السورية، ويحاول وضع أطر معينة لحلول لها مقبولية لدى الجميع أينما كانوا.

 

لا مجال للشك بأن هذه الرغبة ليست فقط مبررة ومشروعة، وإنما قد تكون ضرورة لا بد منها على طريق أي حل ممكن للأزمة السورية. إلا أن أي مؤتمر سوري مرجو يجب أن يتبلور كنتيجة لعملية حوار وطني شاملة، يشارك فيها سوريو الداخل والخارج بكامل أطيافهم الاجتماعية ومذاهبهم وانتمائاتهم الإثنية واتجاهاتهم السياسية. وهنا تكمن إحدى أهم المعضلات التي ترافق الأزمة السورية منذ بدايتها. هذه المعضلة تؤثر بشكل مباشر على أية محاولة إجراء حوار شامل بين السوريين، وتتلخص في جانبين:

 

  • الجانب الأول: الحساسية الخاصة الموجودة عند السوريين من جميع الأطراف بخصوص الحوارات التي يكون الحضور فيها قائما بشكل أو بآخر على تمثيل المجتمع السوري بتنوعاته الإثنية، الدينية والمذهبية. هذه الحساسية هي أمر موجود سواء كان تنوعات المجتمع السوري تشكل جزءا من حيثيات الحوار القائم، عندما يتم على سبيل المثال دعوة ممثلي بعض الإثنيات والأديان والطوائف للقاء قوى سياسية أو اجتماعية معينة. أو عندما تكون تلك التنوعات هي أساس الحوار من خلال عقد مؤتمر مثلاً بين ممثلي الاتجاهات المختلفة في المجتمع السورية، وبناء على صفتهم بالانتماء لهذا الاتجاه أو ذاك. أو حتى عندما لا يرتبط وجود التنوع بالتمثيل بأي قصد عام أو خاص، وإنما فقط بعفوية الاختيار وتجنب اللون الاجتماعي الواحد للقاء.

 

  • الجانب الثاني: الحساسية السياسية الموجودة لدى فرقاء النزاع ومن هم قريبون منهم في المواقف أو من يعرفون مواقفهم على أنها موازية لهذا الطرف أو ذاك، والمرتبطة بفكرة أن الآخر قد فقد شرعيته السياسية. فالسوريون الذين ينظرون إلى أنفسهم بأنهم يقفوا إلى جانب الدولة أو الحكومة السورية – أو ما يطلق عليه اسم النظام السوري – يرون السوريين المختلفين معهم في الرأي على أنهم حلفاء الإرهاب والجماعات الإسلامية والمصالح الخاصة لبعض دول المنطقة في سوريا. وعلى الطرف الآخر يصف السوريون أصحاب المواقف القريبة من المعارضة بأن ما يسمى بالنظام السوري وكل من يقف معه أو يقترب من مواقفه بصفات مختلفة منها الإجرام أو التستر على الإجرام أو العمالة لإيران.

 

تأثير هذين الجانبين على عملية الحوار يظهر في التوصيفات التي تطلق على حوارات السوريين من قِبل السوريين الآخرين وخصوصاً في العالم الافتراضي، والتي تتراوح في مجملها بين التكفير والتخوين بشكل أو بآخر. على جانب آخر فإنه من المهم هنا التنويه بأن طريقة التفكير هذه تتجاوز التوصيف المجرد وتؤثر بشكل مباشر على سير أية عملية حوار. وهذا يظهر بشكل واضح من خلال أن الكثير من عمليات الحوار الحالية بين السوريين لم تستطع تجاوز مرحلة تبادل الاتهامات أو توصيف ما حدث في سورية بعد 2011 أو الحديث عما يسمى مرحلة انتقالية في الوقت الذي لا يستطيع فيه أحد أن يعرف الإحداثيات القائمة على الواقع الموجود لأية عملية انتقال مزعومة. حتى الحوار داخل أروقة اللجنة الدستورية لم يخرج عن هذا الإطار حتى الآن.

 

على أن حوار السوريين بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الأزمة – مع الأخذ بعين الاعتبار أن استخدام لفظة الأزمة بحد ذاته لتوصيف الحالة السورية هو مسألة إشكالية بين السوريين – وبناء على الظروف الحالية يجب أن يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:

 

  1. الرؤية المستقبلية: أي أن الحوار يجب ألا يناقش الماضي ويتغول في أسباب النزاع، وإنما يجب أن يتم تناول المستقبل بكامل أبعاده. يمكن على سبيل المثال طرح سؤال حول سوريا في عام 2050، ما هو شكلها؟ وكيف سيكون نظام الحكم؟ وما هي المعايير الاقتصادية والاجتماعية ممكنة التطبيق للحياة في هذا البلد؟

 

  1. برغماتية المواقف والنتائج: إن الحوار يجب أن يقوم على مفهوم العملية المفتوحة دون استخدام مفهوم الشرطية بخصوص ما سيتوصل إليه المرء من نتائج. ما تنضوي أيضا تحت هذا المبدأ هي مسألة واقعية وعقلانية النتائج. إذ لا يمكن أن يكون أساس الدخول في عملية الحوار هو الوصول إلى نتائج يعرف المرء مسبقا عدم إمكانية الوصول إليها لبعدها عن الواقع وعدم انسجامها مع الظروف الحالية المحيطة بالحالة السورية.

 

  1. صراحة تناول المواضيع المختلفة: يتمثل أهم عوامل نجاح الحوار في وضع كل المسائل على طاولة الحوار وتناولها بصراحة دون أي هاجس بسبب من يجلس على طاولة الحوار، أو من هو خارجها من الجمهور المتلقي.

 

مع الإقرار بأن الانطلاق بعملية حوار وطني سوري شامل تحمل هذه الخصائص هو مسألة صعبة التحقيق في الظروف الحالية، وخصوصاً أن هناك أسئلة حساسة مثلاً حول من يتحاور مع من؟ وأين سيتم الحوار؟ قد لا تجد في الوقت الحالي إجابة مرضية لمن لديهم رغبة في الحوار. على أن الحوار يبقى هو الطريق الوحيد لحل الأزمة السورية بعد فشل كل الحلول الأخرى، مع الاعتراف بأن الحوار في الحالة السورية ليس مجرد عملية تؤدي إلى نتائج، بل هو هدف في حد ذاته. فالجلوس على طاولة الحوار يحول التراشق بالرصاص والقذائف إلى تراشق بالكلمات، ليس فقط بين المتحاورين وإنما بين جمهورهم أيضاً. مع الوقت لا يبقى التراشق تراشق كلمات فقط، بل يتحول إلى تراشق حجج. تبادل الكلمة والحجة يؤدي في النهاية إلى نشوء طبقة من المتحاورين تقترب شيئاً فشيئاً من بعضها البعض، وتنشأ بينها جسور مبنية على العلاقات الشخصية التي قد تؤدي في النهاية إلى الوصول إلى نتائج مشتركة تتقبلها مجتمعاتهم من السوريين على اختلاف انتماءاتهم وأماكن تواجدهم الجغرافي.

مقالة رأي

2021.08.16

القناعة بنسبية المفاهيم كأساس لأية فكرة لحل الأزمة السورية

لا معدى عن التأكيد بداية بأن أي حديث عن النسبية في أي مجال أو مقام هو حديث إشكالي يحمل بذور خلاف عقائدي. فالأخذ والرد، بشكل عام، يقوم على فكرة النظرية، أو التوصيف، أو الرأي، أو الفرضية وما يناقض هذه المفاهيم على طرف نقيض. أما النسبية بحرفيّتها وفحواها فتقوم على نفي وجود أو نفي أحادية وجود تلك المفاهيم. فالتمسك بالنسبية لا يعني محاولة دحض الحجج التي تقوم عليها النظرية، ولكن قبول فكرة تعدد النظريات، لابل أحياناً عدم القبول بوجود نظرية أو فرضية بالأصل. وهذا الموضوع هو أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بشأن سياسي أو اجتماعي أو ديني، أو عندما يرتبط بحقول البحث العلمي المتعلقة بالعلوم الإنسانية بشكل عام. فكل ف رد يعتقد بأنه على صواب والآخرين على خطأ عندما يرتبط الأمر بهذه المجالات، فالقناعة بالرأي الذاتي والمفهوم الشخصي هنا هي أساس التفكير ومحوره.

 

وإذا خصصنا الموضوع، فما يمكن الجزم به بخصوص المسألة السورية، بأن مجرد طرح مسألة النسبية غير مقبول في العديد من أوساط المجتمع السوري المعارض والموالي، إذا قبلنا بهذا التقسيم على سبيل المجاز هنا. وبما أن الحديث في هذا المقام حول النسبية، فإن ما تقوم عليه تكون فكرتها الأساسية المرتبطة بالمسألة السورية هي: تقبّل المعارض والموالي وحججهما. على أن هذا ليس غرضاً بحد ذاته، بل وسيلة للحث على نوع من التواصل بين المعسكرين ودعوة لكل مرء بالتفكير في نظريته وفرضيته بخصوص الأزمة السورية، من داخل الفرضية أو من خارجها. والنداء هنا ليس نداء لتغيير المواقف وإنما نداء لقبول نسبية الموقف الذاتي ونسبية الموقف الآخر. وحتى إذا لم يكن المرء قادراً على تقبل فكرة نسبية فرضيته وفرضية الآخر، فالمهم أن يتم تقبل نسبية أو جدلية خصائص الموقف أو أسسه، سواء كان الموقف الذاتي أو موقف الآخر.

 

لعل مدونة السلوك بمبادئها الإحدى عشر، وعمل مجلسها، يمثلان طريقة من طرق استخدام النسبية في إطار البحث عن توافقات معينة تصلح كقواعد اتفاقية للبدء في حل الأزمة السورية. فالنقاش حول المدونة انطلق من فكرة اختلاف آراء الأشخاص الجالسين على الطاولة وتباين مواقفهم وطروحاتهم والفرضيات التي يؤسسون عليها مواقفهم من الأزمة السورية. مما يجب الإشارة إليه في هذا المقام بأنه لم تتم أية محاولة في اجتماعات مجلس المدونة لتوحيد الآراء أو تقريبها، وإنما تم إتاحة المجال للجميع لإبداء رأيه وتوضيح أسبابه. والغرض من ذلك تمثل تماماً في إظهار نسبية جميع الآراء مقارنة مع كلية الأزمة السورية التي أصابت جميع السوريين. وهذا ما عبرت عنه المدونة بالاعتراف الجماعي بالحالة السورية من خلال مبدأ المكاشفة والاعتراف، إذ يتمثل أحد أهم أهداف هذا المبدأ في امتصاص الاحتقان المجتمعي من خلال وضع الآراء المختلفة في سياق نسبي واحد.

 

من واقع الآراء الصريحة التي تم تبادلها بين المجتمعين، انطلق البحث في الآراء المختلفة عن المفاهيم المشتركة التي يمكن أن يتوافق عليها الجميع ليس فقط لتناسبها مع الحالة السورية، بل لأنها أيضاً يمكن تظهر نسبية جميع المعادلات المرتبطة بالحالة السورية. فالمدونة مثلاً قد نصت في بندها الأول على وحدة الأراضي السورية بشكل مطلق، ولكنها في نفس الوقت لم تتطرق إلى مسألة تحديد شكل الدولة أهو مركزي أو اتحادي أو لامركزي، والذي يناقش حاليا في الكثير من الأوساط، وإنما تركته لمعادلات الحل السياسي القادم. كما أنها نصت في مبدئها الثالث على أنه لا يوجد منتصر في الحرب السورية. وهذا ما يعني بشكل أو بآخر بأن أي نصر عسكري هو مسألة نسبية لا يمكن التعويل عليها، إذ أن انتصار السوري على السوري بالأساس هي فكرة مرفوضة جملة وتفصيلاً، كما أن الإشكاليات التي ترتبط بأي نصر عسكري والمتعلقة بالبنى التحتية وأحوال الناس تطغى على جميع اعتبارات ومفاهيم النصر العسكري.

 

في نفس الإطار يمكن أن نفهم المبدأ الرابع، والذي يؤكد على أن جميع المشاركين في الأعمال القتالية قد قاموا بجرائم بحق الشعب السوري. صحيح بأنه مبدأ عام، ولكنه يؤكد في نفس الوقت نسبية أي موقف يمكن أن يبرر أي عمل إجرامي بحق أي سوري. وهذا يرتبط بشكل وثيق بالدعوى إلى المحاسبة الشخصية في المبدأ الخامس، والذي يهدف أيضاً إلى إظهار النسبية في مجرد التفكير بالانتقام من مجموعات بشرية معينة لانتماء أشخاص معينين في مواقع معينة، وبتحميل تلك المجموعات، ولو بالإشارة غير المباشرة، وزر ما قام به أي فرد. كما أن نسبية مفاهيم الأكثرية والأقلية من أية ناحية من النواحي الدينية أو المذهبية أو العرقية ودورها في المجتمع هي مسألة أظهرها المبدأ الثامن من خلال تأكيده على الهوية التنوّعية ومنعه لأية محاولة لاحتكار الحياة الثقافية أو السياسية أو الاجتماعية من قبل أية جماعة. هذه المسألة ترتبط بشكل جوهري بمنع بناء السياسة على أساس الانتماء لأية جماعة قومية أو دينية أو مذهبية، وهو ما نص عليه المبدأ التاسع بشكل واضح.

 

بغض النظر عن الشرح التفصيلي لكل مبدأ من مبادئ المدونة ومحاولة التعمق فيه، إذ أن مكان الشروح التفصيلية ليس في هذه العجالة، فإن الأمثلة التي ذكرت من المدونة إن دلت على شيء فإنما تدل على إمكانية التوصل إلى تفاهمات بين السوريين مهما اختلفت مواقفهم من الأزمة ومهما تعددت انتماءاتهم السياسية والعقائدية والاجتماعية. نقطة الانطلاق الأكثر أهمية في هذا المقام يجب أن تكون التحديد الدقيق للمواضيع وقبول مبدأ نسبية المواقف منها. وبالعودة إلى المدونة، سأصدقكم القول بأنها لم تكن لترا النور لو استمرت نقاشات الاجتماعات الأولى حول توصيف ما حدث في 2011، والتساؤل فيما إذا كان ثورة أو لا. عندما اقتنع الجميع بفكرة "سمها ما شئت، ولكن دعنا نحدد المسائل الجوهرية في الأزمة ونحاول أن نجد توافقات حولها"، لم يحتاجوا لوقت طويل لتبني المبادئ الإحدى عشر والتصديق عليها. لعل في طريقة التفكير هذه مثالاً يحتذى به لمن يتفاوضون في جينيف، لعلهم يتبنون نسبية المواقف ويوجهوا عقولهم وقلوبهم نحو مفهوم مطلب واحد: نريد حلاً!